كشفت رواية إسرائيلية جديدة تفاصيل غير مسبوقة عن عملية «أجهزة البيجر المفخخة» التي استهدفت عناصر من «حزب الله» اللبناني في سبتمبر 2024، في واحدة من أكثر العمليات الأمنية تعقيداً وإثارة للجدل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ووفق ما أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست»، استناداً إلى مقابلة مع ضابط متقاعد في «الموساد» استخدم الاسم المستعار «آدم فاين»، فإن العملية واجهت خطر الانهيار الكامل قبل تنفيذها بأسابيع، بعدما اقترب عنصر تقني في «حزب الله» من اكتشاف أن أجهزة «البيجر» كانت مفخخة.
وجاءت هذه التفاصيل ضمن كتاب للضابط المتقاعد "فاين آدم"حمل عنوان «رسالة مصيرية»" (Fateful Message)،، قال مؤلفه إنه يستند إلى وقائع حقيقية شارك فيها عدد محدود من كبار مسؤولي «الموساد» والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مع مزج بعض الشخصيات الحقيقية بعناصر درامية لأغراض السرد.
استدراج عنصر تقني لمنع كشف العملية
بحسب الرواية، عقد رئيس «الموساد» ديفيد برنياع اجتماعاً عاجلاً مع مسؤولين في سلاح الجو الإسرائيلي خلال صيف 2024، بعد ورود معلومات تؤكد أن أحد خبراء التكنولوجيا في «حزب الله» بدأ يفحص أجهزة البيجر بشكل قد يؤدي إلى كشف العملية بالكامل.
وأشار الكتاب إلى أن «الموساد» تحرك سريعاً لاستدراج العنصر إلى جنوب لبنان، حيث جرى استهدافه قبل أن يتمكن من استكمال الفحص الفني، فيما امتنع الضابط الإسرائيلي السابق عن كشف تفاصيل إضافية، مكتفياً بالقول إن «الوضع كان معقداً، وكان على الموساد التدخل لمنع تفاقم الأمور».
كما ذكرت الرواية أن «حزب الله» حاول لاحقاً التواصل مع الشركة المصنعة «غولد أبولو» بشأن رسالة كان العنصر قد أرسلها قبل مقتله، إلا أن «الموساد» تمكن من اعتراض الرسالة وتعطيل المراجعة التقنية إلى حين تنفيذ العملية.
مخاوف من الفحص الإيراني
وكشفت الرواية أن القلق الإسرائيلي لم يكن مقتصراً على فحوص «حزب الله»، بل امتد إلى احتمال خضوع الأجهزة لفحص تقني إيراني متقدم.
وبحسب ما ورد في الكتاب، كان أحد عناصر الحزب يستعد لنقل جهاز «بيجر» إلى مسؤول في «الحرس الثوري» الإيراني خلال زيارة إلى طهران، وهو ما اعتبرته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تهديداً بالغ الخطورة نظراً إلى القدرات التقنية الإيرانية.
وفي هذا السياق، أعادت صحيفة «واشنطن بوست» التذكير بخلافات سابقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن توقيت تنفيذ العملية، إذ رأى قادة في الجيش أن إيران كانت على وشك كشف الأجهزة، ما استدعى تسريع التنفيذ قبل الموعد المخطط له.
في المقابل، تمسك «الموساد» بروايته التي تقول إن خطر انكشاف العملية كان قائماً في أكثر من مرحلة، وإن قرار تحويل التركيز الاستراتيجي من غزة إلى لبنان كان عاملاً حاسماً في اختيار توقيت التنفيذ.
شكوك داخل حزب الله قبل إتمام الصفقة
وكشف الكتاب أن «حزب الله» لم يتعامل بسهولة مع عرض أجهزة «البيجر» الجديدة، إذ شهدت أوساطه نقاشات واعتراضات داخلية قبل الموافقة على الشراء.
وأوضح فاين أن بعض مسؤولي الحزب أبدوا شكوكاً تجاه أي أجهزة تُعرض مباشرة من الشركات، خصوصاً أن الحزب كان يفضّل عادة اختيار أنظمة الاتصالات بنفسه.
لكن توقف بيع الأجهزة القديمة التي كان يعتمد عليها الحزب دفعه، وفق الرواية، إلى القبول بالانتقال إلى نظام جديد، رغم الحساسية الأمنية المرتبطة بأي تغيير في منظومة الاتصالات.
وأشار الكتاب إلى أن خبراء التكنولوجيا داخل الحزب كانوا يركزون بشكل رئيسي على احتمالات التنصت والاختراق الإلكتروني، دون الالتفات إلى احتمال زرع متفجرات داخل الأجهزة، وهو ما اعتبره «الموساد» أحد أهم أسباب نجاح العملية.
امرأة غامضة وواجهة تجارية
وتحدثت الرواية عن دور امرأة تُدعى «تيريزا»، قيل إنها كانت تعمل ضمن شركة حقيقية لديها تعاملات سابقة مع «حزب الله».
ووفقاً للتفاصيل، تلقّت «تيريزا» في مارس 2024 طلباً من الحزب لزيادة الطلبية من 500 جهاز سنوياً إلى 5000 جهاز دفعة واحدة.
كما أشار الكتاب إلى أن مسؤولة في «الموساد» تحمل الاسم الحركي «عينات»، وكانت تعمل تحت غطاء سيدة أعمال تُدعى «ليلى»، لعبت دوراً محورياً في تمرير الصفقة عبر توجيه التواصل مع رئيس شركة «غولد أبولو» هسو تشينغ كوانغ.
وأكد فاين أن الشركة المستخدمة في العملية كانت شركة حقيقية وليست واجهة إسرائيلية، وهو ما ساهم في تبديد الشكوك داخل الحزب.
تحويل منشآت الموساد إلى خطوط إنتاج
وكشف الكتاب عن أزمة لوجستية واجهها «الموساد» بعد طلبية الـ5000 جهاز، إذ رأى بعض كبار المسؤولين أن تصنيع هذا العدد خلال فترة قصيرة قد يهدد سرية العملية.
لكن رئيس «الموساد» أصر، بحسب الرواية، على تنفيذ الخطة، وأمر بتحويل موارد بشرية من مشاريع أخرى للمشاركة في التصنيع.
ووصل الأمر، وفق ما ورد في الكتاب، إلى تحويل صالات الألعاب الرياضية ومناطق الترفيه داخل منشآت «الموساد» إلى خطوط تجميع مؤقتة لأجهزة «البيجر».
ووصف فاين تلك المرحلة بأنها شهدت «جهوداً جنونية» لإنجاز الطلبية قبل الموعد المحدد.
خلافات داخل الموساد منذ 2019
وكشف التقرير أن فكرة تطوير عملية «البيجر» بدأت داخل «الموساد» منذ عام 2019، عندما طرح نائب رئيس الجهاز آنذاك -الذي يُعتقد أنه ديفيد برنياع- مشروعاً جديداً يضاف إلى عملية أجهزة اللاسلكي التي بدأ العمل عليها منذ 2014.
وبحسب الرواية، واجه المشروع اعتراضات داخلية واسعة، إذ اعتبر بعض المسؤولين أن فشل العملية الجديدة قد يؤدي إلى كشف العملية القديمة أيضاً.
كما رأى آخرون أن تنفيذ الفكرة مستحيل تقنياً بسبب صغر حجم الأجهزة، قبل أن تقدم محللة شابة تقريراً حول جهاز جديد يمكن استخدامه لإخفاء المتفجرات داخله.
وأشار فاين إلى أن قائدة نسائية داخل «الموساد» لعبت دوراً محورياً في تطوير المشروع، رغم أن الشخصيات الواردة في الكتاب قد تكون مركبة من أكثر من شخصية حقيقية.
نتنياهو حسم القرار
وسلطت الرواية الضوء على خلافات بين الجيش الإسرائيلي و«الموساد» بشأن توقيت تنفيذ العملية.
فبينما رأى رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك هرتسي هليفي أن الدخول في مواجهة واسعة مع «حزب الله» قد لا يكون الخيار الأمثل في ذلك التوقيت، اعتبر مسؤولو «الموساد» أن تأجيل التنفيذ قد يؤدي إلى انكشاف العملية بالكامل.
وبحسب الكتاب، حسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القرار النهائي بالموافقة على التنفيذ، معتبراً أن قدرات أجهزة «البيجر» تمثل «قيمة استراتيجية هائلة».
أضرار جانبية وتساؤلات أخلاقية
وتطرق التقرير أيضاً إلى الجدل الأخلاقي المرتبط باستخدام شخصيات مدنية لا تعلم حقيقة دورها في العملية.
ومن أبرز الأسماء التي وردت في الرواية، سيدة الأعمال كريستيانا بارسوني أرتشيدياكونو، مديرة شركة BAC Consulting، التي نفت خلال مقابلة مع شبكة NBC أي علاقة لها بتصنيع أجهزة البيجر، مؤكدة أنها «مجرد وسيط».
لكن الرواية تشير إلى أنها اختفت لاحقاً عن الأنظار، وسط معلومات تحدثت عن وضعها تحت حماية أمنية في المجر لفترة قصيرة.
ونقل التقرير عن فاين قوله إن «الموساد» يحاول تقليل الأضرار الجانبية قدر الإمكان، وإن المؤسسة الأمنية تناقش داخلياً تبعات استخدام أشخاص مدنيين في عمليات حساسة، مشيراً إلى أن رئيس «الموساد» طلب تعويض الأشخاص الذين استُخدموا دون علمهم وتقليل الأضرار التي قد تلحق بهم.
«الثمن العائلي» للعمل الأمني
وفي ختام المقابلة، تحدث فاين عن الضغوط الشخصية والعائلية التي يتحملها العاملون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، مؤكداً أن العمل العملياتي الطويل، خصوصاً في المهام الخارجية، يفرض أعباء كبيرة على الحياة الأسرية.
وأضاف أن كثيراً من مسؤولي «الموساد» يضطرون أحياناً إلى الابتعاد عن العمل الأمني لفترات والعودة إلى الحياة المدنية، قبل العودة مجدداً إلى المناصب العليا، مشيراً إلى أن رئيسي «الموساد» السابقين ديفيد برنياع ويوسي كوهين سلكا هذا المسار خلال مسيرتهما المهنية.