مع كل موسم حج، أطرب بالكتابة عن علاقة الإنسان السعودي بالحجاج؛ هذه العلاقة الشغوفة والمليئة بكل معاني الإنسانية والقدسية، حيث يعيش السعودي حالة من الشوق والسرور لاستقبال حجاج بيت الله الحرام وخدمتهم في أداء مناسكهم، فتمتلئ مكة المكرمة بالسعوديين القادمين من شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها من أجل التسابق إلى خدمة ضيوف الرحمن.
موسم الحج في السعودية لا يشبه المواسم الأخرى؛ فهو الزمن الذي يشعر فيه الناس أن البلاد كلها تتحرك بقلب واحد، ليس لأن الحشود كبيرة فقط، وإنما لأن المشهد نفسه يشعل شيئًا قديمًا داخل الإنسان السعودي؛ شيئًا تربّى عليه دون أن يتعلّمه بشكل مباشر، وهو أن ضيف الحرمين ليس عابر سبيل، بل أمانة ومحبة ودعوة تمشي على الأرض.
لهذا لا تبدو خدمة الحجاج هنا عملاً رسميًا بقدر ما تبدو علاقة شخصية جدًا. فالسعودي يتعامل مع الحاج وكأنه يعرفه منذ زمن؛ يسأله إن كان متعبًا، ويفسح له الطريق بعفوية، ويركض ليشرح له اتجاهًا، ويشعر بارتياح داخلي غريب حين يرى الطمأنينة تعود إلى وجهه، وكأن راحة الحاج تنعكس مباشرة على قلب من يخدمه.
في مواسم الحج، يظهر الوجه الحقيقي للناس بعيدًا عن كل شيء آخر؛ فتجد شابًا يقف ساعات طويلة يوزع الماء دون أن ينتظر كلمة شكر، ورجلًا مسنًّا يدعو للحجاج كأنهم أبناؤه، وأمًّا تتابع نشرات الحج بلهفة وكأن أحد أفراد عائلتها هناك. حتى الأطفال يكبرون وهم يسمعون أن خدمة الحاج شرف، وأن الدعوة الصادقة من غريب قد تفتح للإنسان أبواب الخير كلها.
ما يميّز الإنسان السعودي في الحج أنه لا يشعر بأنه يقدّم معروفًا لأحد، إنما يشعر أن وجوده قرب هذه الرحلة العظيمة نعمة تخصّه هو، كتبها الله له كي يحظى بالأجر؛ لذلك يفرح بالموسم رغم التعب، ويشتاق إليه بعد انتهائه، ويشعر أن للحج روحًا مختلفة لا يمكن أن يفهمها تمامًا إلا من عاش تفاصيلها عن قرب.
ربما لهذا يعود ملايين الحجاج إلى بلادهم وهم يتذكرون شيئًا أبسط وأعمق من المباني والتنظيم؛ يتذكرون الإنسان السعودي نفسه، بهدوئه، وكرمه، وتلك المحبة التي تظهر في التفاصيل الصغيرة دون ضجيج.
ختامًا.. تظل خدمة حجاج بيت الله الحرام شرفًا للمواطن السعودي في ظل قيادته الرشيدة التي سخّرت كل غالٍ ونفيس لراحة الحجاج.