التعصب الرياضي سلوك معقد جداً ناتج عن عدة عوامل متداخلة يصعب التحكم بها، أو الحد منها، أو حتى التعامل معها من منظور واحد؛ ففي الوقت الذي يكون فيه التعصب تعبيراً حاداً عن الهوية والانتماء للنادي المفضل، نجده في المقابل انعكاساً لحالة من الصراع والإحباط والتوترات المشحونة التي يتم تفريغها على حساب قيم ومبادئ أهم، والأخطر أن يكون خللاً وظيفياً يهدّد التماسك الاجتماعي، أو مصدراً لتشكيل مشاعر العداء للآخر، والتشكيك في مصداقيته، والنيل من إنجازاته.
قناعتي بأنه لا يوجد حل للتعصب الرياضي في هذا العالم، لأنه جزء من الإثارة والمتعة والتنافس بين الآخرين، والشواهد كثيرة، ولكن يوجد حل للتعايش مع هذا المرض مثل غيره من أمراض الجسد الأخرى، وفق معيار الفوز والخسارة، فالفريق الخاسر عليه أن يتحمّل تبعات نتائجه، والفائز ينتشي في التعبير عن سعادته، وهذا التعايش مشروط بعدم الإساءة والتجريح في حق الآخرين، أو النيل والانتقاص من كرامتهم، أو نكون أعداء لنجاحاتهم، والأهم عدم الانفلات من مصفوفة القيم الوطنية؛ فالفوز والخسارة هما حصاد متكرر في أكثر من مناسبة وحدث رياضي، وإذا لم يتحقّق اليوم يستمر العمل لتحقيقه في الغد.
مهم جداً أن يتنفس الجمهور من خلال الرياضة، ويكون لهم مساحة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، خصوصاً أن الرياضة والفن من أهم المداخل النفسية التي يجد فيها الإنسان متعته الخاصة، وهو يرى ناديه المفضل مصدراً لسعادته، وأيقونة لحضوره وشخصيته، وهذا التنفيس المشروط مرهون أيضاً بمدركات الوعي الحسّية في التعامل مع الأجندات الخارجية والحملات الممنهجة، التي تحاول أن تجعل من التعصب الرياضي مدخلاً لنشر أفكارها، وإضعاف وحدة المجتمع وتماسكه، وتعميق حدة الصراع النفسي بين أفراده لدرجة الشعور بالإحباط، والتعبير القاسي تجاه الآخرين.
خلال الأيام الخمسة الأخيرة أجريت تحليلاً إحصائياً استكشافياً حول محتوى التغريدات المنشورة لمباراة النصر والهلال أمس، وكان الهدف معرفة العلاقة بين التنمر اللفظي (السخرية والتهكم) وبين التنمر العاطفي (التلاعب بالمشاعر)، ووجدت أن العلاقة السببية قوية جداً، وعميقة، وخطيرة أيضاً، وأهم ما فيها أن التنمر اللفظي سبب للتنمر العاطفي الذي تمتد آثاره في العزلة والتخويف وكسر الثقة والشعور بالقلق والاكتئاب، وهذه الحصيلة من الأمراض النفسية كافية لوحدها للخروج من حالة الوعي إلى اللاوعي التي تكون سبباً في نشر تغريدات مسيئة، أو تجاوزات مثيرة، أو انتهاكات حقوقية، والنتيجة حالة ارتهان للحقيقة مع الذات، وتقديم الاعتذار ممن تم التجاوز عليهم وطلب العفو منهم، كذلك استمرار الملاحقات القانونية التي قد تنتهي إلى قصص مؤلمة أخرى، وابتزاز ومساومة وغرامات مالية يحمّلها الإنسان لنفسه وقد لا يستطيع الوفاء بها.
لا يمكن تمرير فكرة التعصب الرياضي على أنها مجرد تنافس وإثارة فقط، بل هو أيضاً مهدّد حقيقي لسلامة المجتمع وأمنه واستقراره، وبالتالي التعايش معه ليس حلاً أمثل أو دائماً، ولكنه واقع للأسف يتمدّد على أعلى المستويات وبين جميع شرائح المجتمع.
المقلق أن رحلة التعصب الرياضي تأخذ من صحة الإنسان في تفكيره وجهده ومعاناته النفسية، وربما تصل معه إلى مرحلة من الأمراض التي قد تحرمه من جوانب حياتية أخرى جميلة، وخصوصاً حينما يكون أباً أو أماً، ويوجد لديهما أبناء يستحقون أن يبقى لهم ما تبقى من عمر وهم بصحة وسلامة.