•• من رواق فندق يطل على الحرم المدني أكتب هذه المقالة.. ففي جوانب ساحات الحرم تتحدث أقدام قاصديه في أفواج تزودن أذكاراً وأدعية لا تنتهي.. هذا المنظر زادني أُنساً وكأن روحي تتراقص، فلا سبيل لي لنعاس عن الكتابة ولا أمل لإغفاءة.. مشهد ساحر الجمال عشت معناه من شرفة مُطِلَّة حوَّلني للكتابة عن تدوينات الرحالة أثناء زياراتهم إلى المدينة ضمن رحلة الحج.

•• كتابات الرحالة عن تلك البقعة الإيمانية الطاهرة من الأرض (طيبة الطيبة)؛ جزء جوهري لأدب رحلات الحج عبر التاريخ.. تدوينات كُتِبت بعقول متيقنة مؤمنة أن خالق السماء يراقب هذا العمل.. وصفٌ دقيق بعمق إيماني وفن بلاغي لتأثير البيئة العجيب المحيطة بالحرم النبوي.. مشاهدات رقيقة صارمة مُحكمة عن المدينة قديماً، وحياة أهلها الاجتماعية، وعاداتهم وتقاليدهم، وما تحمل من تأريخ وتضاريس وعمران وزراعة.

•• في إطار تدويني بديع ينقل الرحالة «ابن رشيد الفهريّ السَّبتِيّ» لوحة رائعة عن إيثار أهل المدينة وكرمهم، وطبائعهم، ورقة شمائلهم، وحسن تعاملهم مع الزائرين.. فوصفهم في كتابه «ملء العيبة بماء جمع بطول الغَيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة» بقوله: «ما أن يصل الرحالة وركبه إلى مشارف المدينة حتى يتلقاهم أهلها مرحبين وهم يحملون قليلاً من تمرها هدية للزائرين».

•• وبلمسات أدبية بلاغية، وروعة تدوينية أدبية؛ دوَّن أبو محمد بن أحمد ابن جبير الأندلسي رقة أهل المدينة وحبهم الشديد لمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. ففي اختصار دون تفاصيل لقصر مدة زيارته للمدينة (خمسة أيام)؛ قال في كتابه «التذكرة بالأخبار عن اتفاق الأسفار»: «رقة قلوب أهلها التي تتجلى في تأثرهم بِما يُلقى على أسماعهم من وعظ، ومسارعتهم إلى إعلان التوبة».

أهالي المدينة.. أساليب مبتكرة للاحتفاء بالحاج:

«النثيرة»: نثر الحلوى والورود على الحاج عند عودته

«التوجيبة»: تقديم الهدايا للحاج خصوصاً عند عودته

«الزفة»: الترحيب بالحاج بأهازيج شعبية وأجواء فرحية

«الاستقبال»: تحيُّن قدوم قوافل الحجاج لتزويدهم باحتياجاتهم