على هامش الطريق الذي يقود إلى سوق العمل، لا يقف الموهوبون من ذوي الإعاقة وحدهم؛ بل تقف معهم أسرٌ كاملة، ومؤسسات تحاول أن تضيء العتمة، ومجتمع يتردد بين الوعي والغفلة. هنا، لا تكون الحكاية مجرد سعيٍ إلى وظيفة، بل رحلة مركّبة تتقاطع فيها الموهبة مع التحدي، والأمل مع الواقع.

إن الموهبة، حين تقترن بإعاقة، لا تفقد بريقها، لكنها تُجبر على أن تسلك طرقاً أطول لتُرى. فبدل أن يُحتفى بها بوصفها طاقة إنتاج، تُعامل أحياناً كحالة استثنائية تحتاج إلى «رعاية» أكثر من حاجتها إلى «تمكين». وفي هذه المسافة الدقيقة بين الرعاية والتمكين، تضيع فرص كثيرة، ويُساء فهم قدرات عظيمة.

تلعب المراكز والجمعيات المتخصصة دوراً حيوياً في تقليص هذه الفجوة، فهي ليست مجرد جهات دعم، بل منصات لإعادة تعريف الإمكانات. من خلال برامج التأهيل، والتدريب المهني، والتقنيات المساندة، تحاول هذه المؤسسات أن تعيد صياغة العلاقة بين الموهوب وسوق العمل. كما تعمل على توعية أرباب العمل، وتفكيك الصور النمطية، وفتح قنوات توظيف أكثر مواءمة. ومع ذلك، فإن جهودها برغم أهميتها إلا أنها ما تصطدم بحدود التمويل، أو بقصور في الانتشار، أو بعدم كفاية وضمان استدامة الأثر.

وفي قلب هذه المعادلة، تقف الأسرة بوصفها الحاضن الأول، والممول الخفي لهذه الرحلة الطويلة. فوليّ الأمر لا يكتفي بالدعم المعنوي، بل قد يتحمل كلفة مادية ونفسية مضاعفة. من جلسات العلاج والتأهيل، إلى الأجهزة المساندة، إلى تكاليف التعليم المتخصص أو النقل حتى وإن كانت مدعومة، ومع تراكم الأعباء تصبح جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية. وقد يجد بعض أولياء الأمور أنفسهم مضطرين لتقليص ساعات عملهم أو ترك وظائفهم، من أجل مرافقة أبنائهم في مسار التأهيل، مما يضاعف الضغط الاقتصادي.

ولا تقف الكلفة عند حدود المال؛ فهناك كلفة غير مرئية، تتمثل في القلق المستمر على المستقبل، والخشية من أن تُهدر موهبة الابن أو الابنة بسبب عوائق مجتمعية. هذا القلق، وإن كان دافعاً للإصرار، إلا أنه يستهلك من طاقة الأسرة بقدر ما يمنحها من قوة.

أما سوق العمل، ففي كثير من الأحيان، لا يزال يتعامل بحذر أو تردد. فبين مبادرات المسؤولية الاجتماعية التي تظل محدودة الأثر، يبقى الموهوب من ذوي الإعاقة في منطقة رمادية: مرحّب به نظرياً، ومُستبعد عملياً. وهنا، يظهر التناقض الصارخ بين ما يُقال عن «التمكين» وما يُمارس على أرض الواقع.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحولات الإيجابية؛ فبعض المؤسسات باتت تدرك أن التنوع ليس عبئاً، بل مصدر إثراء، وأن الاستثمار في هذه الفئة يفتح آفاقاً جديدة للإبداع والإنتاج. كما أن صوت الموهوبين أنفسهم أصبح أكثر حضوراً، يطالب لا بوصفه مستفيداً، بل شريكاً في البناء.

إن القضية، في جوهرها، ليست قضية فئة بعينها، بل اختبار لعدالة المجتمع ونضجه. فحين تُزال الحواجز المادية منها والمعنوية تتحول الموهبة من حالة استثنائية إلى قيمة مضافة، ومن عبء متخيَّل إلى فرصة حقيقية.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً: كم من المواهب ما زالت حبيسة القيود، لا لأنها عاجزة، بل لأن الطريق إليها لم يُمهد بعد؟ الإجابة ليست رقماً، بل مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الفرد، وتمتد إلى مجتمعات الأعمال وثقافتها والحس المؤسسي بالمسؤولية، التي تُترجم في أفعال كل مؤسسة تؤمن بأن الإنسان أيّاً كانت ظروفه فهو جدير بأن يُمنح فرصة عادلة ليكون ما يستطيع أن يكونه.

* دكتوراه في تربية الموهوبين