في واحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام في الإسكندرية، أسدلت النيابة العامة المصرية الستار أخيراً على ملف مأساوي في منطقة كرموز، انتهى بقرار غير معتاد يتمثل في: عدم إقامة الدعوى الجنائية ضد شاب متهم بقتل والدته وأشقائه الخمسة.
القضية التي بدأت كصاعقة إنسانية، تحولت مع الوقت إلى ملف معقد تتداخل فيه الجريمة بالطب النفسي، قبل أن تحسمها تقارير الخبرة الطبية التي غيرت مسارها بالكامل.
وأوضحت اللجنة المختصة بالطب النفسي الشرعي في تقريرها النهائي أن الشاب كان يعاني من اضطراب نفسي حاد وحالة فصامية ذهانية وقت الواقعة، أفقدته القدرة على إدراك أفعاله أو التمييز بين الصواب والخطأ.
هذا التقييم الطبي لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كان نقطة التحول الحاسمة، إذ اعتُبر أن غياب الإدراك والاختيار ينفيان المسؤولية الجنائية وفقاً لقانون العقوبات المصري، لتتحول القضية من جريمة عمدية إلى واقعة مرتبطة باضطراب عقلي شديد.
لكن خلف هذا القرار القانوني، تظل تفاصيل الواقعة صادمة في الذاكرة العامة، إذ عُثر على جثث الأم، البالغة من العمر 41 عاماً، و5 من أبنائها داخل شقة سكنية في ظروف مأساوية، قبل أن تتكشف لاحقاً محاولة الشاب إنهاء حياته بالقفز من ارتفاع شاهق، بعد ارتكاب الواقعة.
محاولة الانتحار تلك انتهت بنجاته بعد تدخل الأهالي، لتبدأ بعدها مرحلة التحقيقات التي كشفت خيوطاً نفسية معقدة أكثر مما كشفت عن دوافع تقليدية للجريمة.
وفي ضوء القرار الأخير، تقرر إيداع الشاب داخل مصحة نفسية متخصصة تحت إشراف طبي كامل، في محاولة لضمان تلقيه العلاج ومتابعة حالته، مع استمرار المراقبة الطبية الدورية لتطور وضعه الصحي.
وبينما أُغلق الملف قانونياً، تبقى قضية كرموز واحدة من أكثر القضايا التي تطرح أسئلة ثقيلة حول حدود المسؤولية، ودور المرض النفسي في إعادة تشكيل معنى الجريمة نفسها، عندما يصبح العقل خارج السيطرة تماماً.