يُحكى أن مزارعاً أنكر في المحكمة ادعاء أحد الأقوياء بأنه استدان منه ألف دينار ولم يسددها له. وبعد أن نظر القاضي الدعوى، حكم على المزارع باختيار: إمّا دفع مبلغ الألف دينار، أو أن يُجلد ألف جلدةٍ، أو أن يأكل ألف بصلة.

ومع تعنّته وعدم إحكامه لحسن التدبر، رفض المزارع الإذعان لرغبة المدعي وتسليمه ما يطلبه من مال، فاختار العقوبة الثالثة «أكل البصل». ولكنه بعد أن أكل 100 بصلة، أصبحت عيناه مغرقتين بالدموع، ومعدته تشتعل. وحيث إنه ما زال متشبثاً بموقفه بعدم التنازل عن ماله، طلب الانتقال إلى الخيار الثاني «الجلد»، فبدأ الجلادون ينهالون عليه بعصيهم، ولكنه ما إن تلقى 100 جلدة حتى صاح بهم ليتوقفوا، وقَبِل أن يدفع مبلغ الألف دينار التي طالب بها المدعي.

عندها أخبره القاضي أن عليه أيضاً دفع ألف دينار أخرى تكلفة شحنة الألف بصلة التي أحضروها، وتعويض المحكمة عن العصي التي تكسرت خلال ضربه، وأجور الجند الذين تولوا جلده. فدفع تلك الأموال، وأسرع إلى المستشفى لعلاج الكسور المتعددة في جسده، وآلام جهازه الهضمي التي ترتبت على أكله كل ذلك البصل، وقد تجاوزت تكاليف العلاج ألف دينار.

ولو أن ذلك المزارع أحكم عقله وقاس الأمور جيداً وبحكمة، لأذعن من البداية ودفع المبلغ المطلوب، وربما تمكّن بالمساومة والمداراة من تخفيضه، وكفى نفسه أكل 100 بصلة وتلقي 100 جلدة، وتحمّل خسارة ألفي دينار إضافية.

وحكاية ذلك المزارع تبيّن لنا دلالات وأمثلة على مجريات أحداث العلاقات بين البشر والدول ونزاعاتهم وحروبهم، ليس فقط في العصر الراهن الذي ضاعت فيه بوصلة النظام الدولي، بل على مدى التاريخ البشري، حيث أدى تعنّت قيادات سياسية وتمسكها بمواقف متصلبة إلى دمار دولها وشعوبها، جرّاء دفعها لخوض حروب ونزاعات مريرة.

فالحروب والنزاعات تخلّف خراباً وموتاً وفتناً بين الشعوب. كما أن التعنت، الذي يظهر في صورة عنتريات، يضيع الأوطان ويجعلها ملعباً للقوى الخارجية ويزيد من حدة الأزمات. وشواهد التاريخ تثبت أنه بعد تحقيق كل ذلك الدمار، تنصاع تلك القيادات في النهاية وتتنازل عن مواقفها الشخصية، وتنصت لصوت الحكمة والعقل.

والخسائر الناتجة عن الحروب تفوق بمراحل أي مطالبات أو توقعات قبل اندلاعها. وعِبرٌ كثيرة يدونها التاريخ الإنساني حول بشاعة الحروب الدامية والصراعات الطويلة بين الشعوب، والتي أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والأموال تكبدتها الدول المتناحرة.

فالعالم شهد على مر العصور حروباً دموية شرسة، دامت لسنوات وعقود، ولم تنتهِ إلا بعدما أدرك صنّاعها أنه بالسلام تستقر الأمور ويعم النفع على الجميع. ومنها حرب الثلاثين عاماً التي دارت في أوروبا وامتدت من عام 1618 إلى 1648، بسبب الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت، وخلّفت قرابة 11 مليون قتيل، ودمرت 29 ألف قرية. والحرب العالمية الأولى التي تسبّبت بوفاة 16-37 مليون إنسان. والحرب العالمية الثانية التي شارك فيها أكثر من 30 دولة حول العالم، ويقدر عدد ضحاياها بين 60-70 مليون إنسان. وغيرها العديد من النزاعات والحروب.

وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً، نستطيع إسقاط حكاية المزارع أعلاه على العديد من الأحداث في عصرنا الراهن، ومنها:

القضية الفلسطينية منذ 1948، وحتى قبلها.

حرب 1967 (النكسة)، حيث أدى رفض الحلول السياسية والتصعيد الإعلامي إلى هزيمة سريعة خلال 6 أيام. فخسرت مصر وسوريا والأردن أراضي واسعة (سيناء، الجولان، الضفة الغربية).

حرب العراق وإيران (1980–1988) التي استمرت 8 سنوات دون حسم. وشهدت أكثر من مليون قتيل وخسائر اقتصادية هائلة للطرفين. وانتهت بقبول وقف إطلاق النار دون تحقيق أهداف واضحة.

غزو العراق للكويت (1990) كان قراراً سياسياً متعنّتاً أدى إلى تدخل دولي واسع. وانتهى بخسارة العراق عسكرياً واقتصادياً وفرض عقوبات طويلة.

الحرب الأهلية في لبنان (1975–1990) مثّلت صراعاً طويلاً نتيجة تعنّت داخلي وتدخلات خارجية. وانتهت باتفاق الطائف بعد دمار كبير وخسائر بشرية واقتصادية.

وفي الحالة الإيرانية، كما نشهدها حالياً، أدى تبني قياداتها السياسية مواقف متصلبة والتصعيد المستمر مع دول الجوار والرغبة في تصدير الثورة والتسلط إلى إدخال البلاد في دائرة من الضغوط الاقتصادية والعسكرية والعزلة الدولية، دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة. ومع مرور الوقت، أصبحت كلفة المواجهة (سواء على مستوى الاقتصاد أو الاستقرار الداخلي) أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة. مما يعكس نمطاً متكرراً في التاريخ السياسي، حيث تدفع الدول ثمن التعنّت أضعافاً قبل أن تعود في النهاية إلى طاولة التهدئة أو التفاوض. وهكذا، تتحوّل القرارات التي اتخذت بدافع القوة أو الكبرياء إلى عبء ثقيل تتحمّله الشعوب، في صورة واضحة لما يمكن تسميته بـ«أكل البصل السياسي».

وجميع هذه الأحداث، وغيرها، تثبت بالدليل القاطع أن انعدام التدبر والحكمة والإدارة السياسية الرشيدة أدى إلى دفع دول عديدة بالمنطقة وشعوبها إلى دفع أضعاف ما كان يتحتّم عليهم تقديمه من تكاليف قبل اندفاعهم المتعنت لخوض الحروب والنزاعات.

وقد أورد إرنست همنغواي، في روايته «لمن تقرع الأجراس»، أن: «في مصارعة الثيران، الثور لا يبقر بطن الإنسان، ولكن الإنسان من يبقر بطنه بقرن الثور». وكثيراً ما نرى، في مواقف بعض من الدول حول العالم، سياسيين ممن يفتقدون الإدراك والوعي، ولا يراعون حساب الأرباح والخسائر، وينتهي بهم المطاف إلى تكبّد خسائر كبيرة على أوطانهم، فيصدق عليهم القول إنهم «يبقرون بطونهم بقرن الثور».

ولهؤلاء الشامتين والمنتقدين لموقف المملكة العربية السعودية الحكيم المتزن بعدم الرد على هجمات إيران وعملائها الغاشمة، والدخول بحرب طاحنة بالمنطقة قد تقود إلى حرب عالمية خطيرة، عليهم أن يدركوا بأن السعودية، ولله الحمد، حظيت وتحظى بقيادات سياسية حكيمة تدرك تماماً مسؤولياتها الجسيمة لتنمية الوطن والمحافظة على وحدته وسيادته وضمان رفاه المواطن. ولن يندفعوا بتهور للحروب كغيرهم، من الزعماء المتعطشين للسلطة والسيطرة بأي ثمن، والذين انتهى بهم المطاف دوماً أذلاء يرقصون على أنغام عزف الآخرين.

خاتمة: من أقوال الشاعر جهز بن شرار المطيري:

إفتك من العيّات بأنصاف مالك

وإن عيّت العيّات بالمال كله