سيرة امرأة علمية طُمست من كتب التاريخ مريم، أخت النبي موسى وهارون عليهما السلام، لم تكن مجرد أخت نبيّ، بل كانت عقلًا علميًا مبدعًا. منذ اللحظة الأولى التي أنقذت فيها أخاها الرضيع من الغرق في النيل، بدأت رحلتها مع الاختراع. طلَتْ الصندوق بالقار قبل أن تلقيه أمها في اليم، فحفظته من الماء ومن الغرق. ومن ذلك اليوم، صارت مريم تُفكر وتبتكر.
يقال إنها هي أول من فكرت في صناعة قارورة تحفظ الحرارة والبرودة، أي ما نسميه اليوم «الترمس». صنعت زجاجة داخل زجاجة أخرى، ووضعت بينهما طبقة من القش لتعزل الحرارة. اختراع بسيط في ظاهره، عبقري في تأثيره. ولم تقف عند هذا الحد؛ كانت مريم أيضًا من صهرت ذهب الإسرائيليات ليسهل حمله أثناء الخروج من مصر، وهو الذهب نفسه الذي استعمله السامري لاحقًا في صناعة العجل.
لها قصص كثيرة في تأييد نبوة أخيها، ولها أيضًا قصة إنسانية مؤثرة: أصيبت بالبرص لأنها عارضت زواج موسى من امرأة حبشية، ثم اعتزلت في خيمتها، تابَتْ، وتوفيت بعد توبتها. هكذا كانت مريم: عالمة، مبدعة، وإنسانة تخطئ وتتوب.
أحب سير النساء المغمورات في التاريخ، وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال. فالتاريخ لم يحفظ لنا «قارورة مريم»، بل حُفظت بأسماء أخرى. في نجد وشرقها يسمونها «مطارة» نسبة إلى ماء المطر الثمين، وفي الحجاز «زمزمية» نسبة إلى ماء زمزم المبارك، كلاهما يذكّر بقيمة الماء وأهمية حفظه.
لو سألتَ اليوم محركات البحث عن مخترع الترمس، ستوجهك إلى الألمانيين رينولد برغر وألبرت أشنبرينر اللذين سجّلا براءة الاختراع عام 1904، أو إلى الأسكتلندي السير جيمس ديوار الذي صنع الزجاجة المفرغة من الهواء عام 1892. وكأن التاريخ بدأ من هناك.
هذا يثير السؤال الجوهري: هل سيطرة الرجال على عالم الاختراعات والنظريات حقيقة علمية، أم هي نتيجة تغييب ممنهج لأسماء النساء عبر العصور؟
كم اختراعًا ابتكرته أيدٍ نسائية، ثم نُسب إلى رجل لأنه كان الأقدر على التسجيل والتوثيق والنشر؟ مريم ليست استثناءً، بل نموذجًا لمئات، وربما آلاف النساء اللواتي أبدعن ثم طُمست أسماؤهن.
قارورة مريم لا تزال تُستخدم كل يوم في بيوتنا، ومع ذلك لا يعرف معظم الناس أن أول من صنعها كانت امرأة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
ربما حان الوقت أن نعيد لمريم – ولكل مريم في التاريخ – حقها في الرواية. فالعلم لا جنس له، والتاريخ يجب أن يكون أمينًا.