تابعت مداخلتك في هذا النقاش باهتمام، وأود أن أضيف زاوية تحليلية أعتقد أنها ضرورية لفهم ما جرى بعيداً عن اختزال الحدث في مفردة واحدة. فالقضية، في تقديري، لا تتعلق باللغة فقط، بل بالإطار المفاهيمي الذي نضع فيه هذا الحدث.
في أدبيات الدراسات الإستراتيجية هناك تمييز مهم بين حالتين مختلفتين تماماً: الانفلات العملياتي وتغيير قواعد الاشتباك!
الانفلات العملياتي يحدث عندما يقع حدث عسكري خارج السيطرة نتيجة خطأ في التنفيذ، أو خلل تقني، أو سوء تقدير ميداني محدود، وفي هذه الحالة تكون الواقعة استثناءً غير مقصود داخل سياق العمليات العسكرية، وغالباً ما تسارع الدول إلى احتوائه سياسياً أو تفسيره باعتباره حادثاً عارضاً لا يعكس توجهاً إستراتيجياً مقصوداً.
أما تغيير قواعد الاشتباك فهو أمر مختلف تماماً.. يحدث ذلك سيدي عندما تستخدم دولة القوة العسكرية بصورة متعمدة لإعادة تعريف حدود الردع في الإقليم، ولإرسال رسالة واضحة مفادها أن الخطوط التي كانت تضبط الصراع سابقاً لم تعد قائمة! في هذه الحالة لا يكون الفعل العسكري حادثاً عابراً، بل جزء من قرار سياسي يسعى إلى تعديل ميزان القوة أو اختبار ردود فعل الأطراف الأخرى.
ومن هنا تأتي أهمية التوصيف الدقيق أمام الشعوب، فحين نتحدث عن ضربات عابرة للحدود تطال أكثر من دولة وفي مساحة جغرافية حساسة مثل الخليج، يصعب وضع الحدث في خانة الخطأ العملياتي! فهذه المنطقة ليست هامشاً جغرافياً يمكن أن تقع فيه أخطاء عرضية دون حسابات معقدة.. فهي واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من حيث الطاقة والتجارة والأمن الدولي.
ولهذا تبدو قراءة ما حدث بوصفه مجرد خطأ أو انزلاق قراءة لا تفسر السلوك بقدر ما تتجاوز طبيعته السياسية التي تعلمناها.. فنحن، في الواقع، أمام فعل عسكري يحمل رسائل إستراتيجية، حتى لو اختلفت التفسيرات حول أهدافه أو حول ما إذا كانت حساباته ناجحة أم لا.
المشكلة أن هذا النوع من الرسائل يُرسل غالباً على حساب استقرار المجتمعات التي تقع في مسار الصراع.. وعندما تصبح المدن المأهولة والمرافق المدنية جزءاً من مسرح تلك الرسائل، فإن النقاش لا يعود تقنياً أو عسكرياً فقط، بل يتحول إلى سؤال أكبر يتعلق بأمن المنطقة ككل.
ولهذا كنت أرى أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على تفسير نوايا الفاعلين، بل على ما يعنيه هذا السلوك لمعادلة الأمن الإقليمي.. فالتساهل في توصيف مثل هذه الوقائع يفتح الباب تدريجياً لتآكل مفهوم السيادة وحدود الردع في الشرق الأوسط.
إن وضوح اللغة هنا ليس انفعالاً سياسياً، بل ضرورة تحليلية.. فالطريقة التي نسمي بها الأشياء اليوم قد تصبح هي الإطار الذي تُدار داخله أزمات المنطقة غداً.