في قلب جدة القديمة، لا تحتاج إلى إعلان ممول كي تبيع. يكفي أن تملك حنجرة تعرف كيف تغني.

بين جدران الحجر البحري، وتحت شرفات الرواشين العتيقة، تتحول أزقة جدة التاريخية في رمضان إلى ما يشبه «الكرنفال الصوتي المفتوح». هنا لا يتنافس الباعة على تخفيض الأسعار بقدر ما يتنافسون على علو النبرة، وخفة القافية، وذكاء الأداء.

النتيجة حولت المدينة الساحلية إلى مسرح شعبي يومي، بطله «المعلم» وصاجه، وجمهوره آلاف المارة الذين يتحولون خلال دقائق إلى زبائن ومصورين وصانعي محتوى.

الكبدة.. حين تصبح «طقطقة الصاج» إعلاناً مجانياً

قبل أن ترى الكبدة: تسمعها. فصوت الملاعق وهي ترتطم بالصاج ليس ضجيجاً عشوائياً، بل جرس إنذار للجوع. وبإيقاع متكرر، مدروس بالفطرة، يسبق الأهزوجة الشهيرة: «يا كبدة على الصاج تداوي اللي محتاج».

هنا تتحقق معادلة تسويقية كاملة:

  • مؤثر صوتي حي يلفت الانتباه وسط الزحام
  • رائحة فورية تخترق الحواس
  • وعد عاطفي بالسعادة والشفاء من تعب الصيام

والبائع لا يقول لك «اشترِ»، بل يخلق حالة شعورية تجعلك تتقدم وحدك.

البليلة.. ملكة السجع التي تحفظها الذاكرة

إذا كانت الكبدة تعتمد على الإيقاع المعدني، فالبليلة تعتمد على القافية.

«يا بليلة بللوكي…»

«يا بليلة يا ليلة العيد…»

السجع القصير، والسهل، والقابل للترديد.. هو سر انتشارها. فالأطفال يحفظونه، والشباب يصورونه، وتتحول البسطة إلى «لوكيشن» جاهز لمقاطع «تيك توك».

وتسويقياً، البليلة لا تُباع كطبق حمص ساخن. إنها تُباع كذكرى رمضانية، كسَهرة، كحكاية تتكرر كل عام.

السوبيا.. تسويق البرودة في مدينة حارة

في مدينة ساحلية رطبة، يعرف بائع السوبيا أن العطش هو نقطة الألم الأكبر. ولذا يرفع الكيس عالياً، ويسكب الشراب بصوت مسموع، ثم يطلق نداءه: «يا سوبيا… باردة وتطفي النار».

هنا يستخدم البائع ما يمكن تسميته بالتبريد البصري والصوتي:

  • لون فاتح يوحي بالانتعاش
  • حركة سكب مبالغ فيها
  • كلمات تركّز على الفائدة الوظيفية: «تطفي النار»

إنه إعلان مباشر للجسد المتعب، لا للعقل.

«يا حلاوة يا طراوة».. فلسفة البيع بالبهجة

في بسطات الحلوى أو البطاطس المقرمشة، يتحول النداء إلى لغة دلال: «يا حلاوة.. يا طراوة». الكلمات هنا ناعمة، ومرِحة، وتستهدف الأطفال والعائلات، وبل حتى محبي الفن الشعبي.

ويتم البيع عبر الإغراء الحسي: القرمشة، والطراوة، والسكر، والضحكة، وقبلهم: الطرب الشعبي.

ولعل أجمل ما في المشهد أن البائع حين يقترب منك، يوجه الأهزوجة «لك» شخصياً. يناديك بعينيه قبل صوته. في لحظة تفاعل مباشر تجعلك تبتسم، ثم تشتري.

لماذا تنجح هذه الأهازيج؟

ورغم تطور أساليب التسويق، تنجح هذه الأهازيج وغيرها لأنها ببساطة تطبق قواعد التسويق الحديثة، قبل أن تُكتب في الكتب:

  • جذب الانتباه:

عبر صوت، وإيقاع، وحركة مبالغ فيها.

  • بناء علامة

بواسطة قافية محفوظة تتكرر كل ليلة.

  • هوية بصرية

تتمثل في زي حجازي تقليدي يكمل المشهد.

  • الدليل الاجتماعي

يتجلى في تجمهر الناس حول البسطة ما يجذب مزيداً من الناس.

  • محتوى قابل للمشاركة

بعد الاعتماد على أداء مسرحي يصوَّر وينتشر رقمياً.

إنها نسخة شعبية من «التسويق بالمحتوى»، فالبائع لا يصرخ: «اشترِ مني»، هو يقدم عرضاً مجانياً، يجعلك تدفع وأنت مبتسم.

فلكلور يقاوم النسيان

في عالم تُختصر فيه العلاقات إلى إشعارات، وتُقاس الشعبية بعدد المشاهدات، تقف بسطات جدة التاريخية كذاكرة حيّة.

رائحة الكمون، وبخار الكبدة، وبرودة السوبيا، ونداء «يا حلاوة يا طراوة»: كلها ليست مجرد طعام. إنها هوية تُغنّى. وتريند يولد كل ليلة: بلا إعلان ممول، ولا خطة محتوى، ولا ميزانية.

فقط صوت يعرف كيف يقول إن الطعام في بسطات جدة «يُسمع قبل أن يُؤكل».