في صفقة وُصفت بأنها الأخطر في تاريخ التفاعل بين الإنسان والآلة، دفعت «أبل» ما بين 1.5 ومليارَي دولار للاستحواذ على شركة إسرائيلية ناشئة لا تملك منتجاً في السوق ولا إيرادات معلنة، لكنها طوّرت تقنية قادرة على التقاط الكلمات قبل أن تخرج من فمك.
الشركة التي تحمل اسم كيو إيه آي،لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، إلا أنها تعمل على ما يُعرف بتقنية «الكلام الصامت» وهو نظام يعتمد على كاميرات بالأشعة تحت الحمراء وخوارزميات تعلم آلي لرصد الإشارات العصبية الدقيقة التي يرسلها الدماغ إلى عضلات الوجه قبل لحظة النطق، وتحويلها مباشرة إلى أوامر رقمية.
كيف تعمل التقنية؟
بدلاً من الأقطاب الكهربائية اللاصقة التي أعاقت تجارب سابقة، طورت الشركة مشبكاً يُثبت حول الأذن، يُسقط ضوءاً غير مرئي على البشرة، ليرسم خريطة مجهرية لتشنجات عضلية لا تراها العين، بسرعة تصل إلى 500 إطار في الثانية.. والنتيجة؛ هاتف «يفهم» ما ستقوله قبل أن تقوله.
تُعد هذه الخطوة ثاني أكبر استحواذ في تاريخ «أبل» بعد صفقة «بيتس» عام 2014. والمفارقة أن مؤسس الشركة «أفياد ميزيلز» سبق أن باع لـ«أبل» تقنية الاستشعار ثلاثي الأبعاد من شركته «برايم سينس» مقابل 350 مليون دولار، وهي التقنية التي مهدت الطريق لخدمة «Face ID».
لكن القلق لم يتأخر. فوكالة الأبحاث الدفاعية الإسرائيلية «مفات» وهي المعادل الإسرائيلي لوكالة «داربا» الأميركية، أعلنت أنها تطور التقنية نفسها لتمكين الجنود من التواصل في الميدان دون إصدار أي صوت.
وهنا يتحول الابتكار من ميزة ذكية في هاتفك إلى أداة محتملة في «الحرب المعرفية»، وهو المصطلح الذي استخدمه حلف شمال الأطلسي عام 2021 لوصف تقنيات لا تكتفي بمراقبة ما يفعله الإنسان، بل تستبق ما ينوي فعله.
واللافت أن الأكثر إثارة للجدل أن براءات الاختراع تشير إلى قدرة النظام على قياس النبض ومعدل التنفس وتحليل الحالة العاطفية، ما يعني رسم خريطة نفسية وبيولوجية كاملة للمستخدم في الزمن الحقيقي.
وتؤكد «أبل» أن المعالجة ستتم محلياً عبر معالجات Apple Silicon وبنية سحابية قابلة للتحقق المستقل، غير أن منتقدين يرون أن التاريخ التقني يثبت أن البنية المدنية كثيراً ما تصبح جسراً لاستخدامات أمنية أوسع.
وبين هاتفٍ يختصر المسافة بين التفكير والتنفيذ، وعالمٍ يخشى أن تصبح النوايا نفسها بيانات قابلة للرصد؛ تبدو الصفقة أكبر من مجرد استحواذ تجاري. بل خطوة نحو مرحلة قد لا يعود فيها الصمت صامتاً.