«الرؤية» القديرة محت من قواميسنا مفردة «المستحيل»، وشطبت حروف «اللاممكن»،

هيّأت الظروف، وأوجدت المناخ للإبداع والانطلاق، وعلّقت على جدار الزمن لافتة «همة حتى القمّة»، عنوانًا للبذل بلا إبطاء، والنجاح بلا سقوف، والعطاء بلا حدود، وذاع صيت المملكة دولياً، واقتعدت في الموضع الذي يناسبها؛ رفعة وعلوًا.

ولعل احتلال مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث المرتبة الثانية عشرة عالميًا ضمن تصنيف «براند فاينانس» لأفضل (250) مستشفى أكاديميًا حول العالم للعام 2026، نظير وكفاء تمتعه بمستويات عالية من الوعي والاعتراف المهني إقليميًا ودوليًا، بوصفه مؤسسة يفتخر الأطباء بالعمل أو التدريب فيها، إلى استقطابه كوادر طبية متخصصة تُعد من بين الأفضل عالميًا، وفق معايير تقيس قوة العلامة المؤسسية والسمعة المهنية، فضلًا عن تأثير المستشفى في منظومة الرعاية الصحية والتعليم الطبي والبحثي.

خبر طارت به نوافذ الإعلام المختلفة، واحتفت دوائر الاختصاص بهذا الإنجاز المشرق؛ لا بد أن خاطرك ذهب وبشكل تلقائي إلى «الرؤية»، وقد هيّأت لمثل هذا الإنجاز أن يكون واقعًا لا حلمًا، وحقيقة محلقة لا طموحًا كسيحًا.

فإن قَصرتَ النظر الآن وقيّدته في محيط ما حقّقه «التخصصي» فلا بد أنك ذاكر لأكيد ما صدح به ولي العهد الأمين في حق هذا الصرح الطبي الوطني العملاق، حين أكّد على ضرورة تطوير العمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي ورفع كفاءته التشغيلية والمالية.

رسالة التقطها من عنته بالإشارة، وشملته بالتعميم، وخصصته بالمسؤولية المباشرة، فأدركها إدراك وعي ببصيرة مفتوحة، وفهم مرادها.

جاء حديث الدكتور ماجد بن إبراهيم الفيّاض، المستشار بالديوان الملكي الرّئيس التّنفيذي للمستشفى، في مقال له بعنوان «وطن يتجدّد وقيادة تصنع التّاريخ» ما نصّه «لم يكن التّخصُّصي مجرد مؤسّسة تعالج، بل منصةً للتّميُّز والمعرفة والتّدريب، ومركزًا يستقطب الكفاءات، ويحتضن العقول، ويقود مبادرات نوعيّة وأبحاثًا جعلته في مصاف المراكز الطبّية العالميّة.

حقّقنا خلال السنوات الأخيرة إنجازات متتابعة في مجالات الجراحة الدّقيقة، وزراعة الأعضاء، وأبحاث السّرطان، والرّعاية التّخصُّصيّة النّادرة، إضافة إلى خطوات رائدة في التّحوُّل الرّقمي الصّحّي وتوظيف الذّكاء الاصطناعي لخدمة المرضى».

عندما تتكامل لأي مؤسسة رؤية مستشرفة، وإدارة ضابطة، فلا غرو أن يكون النجاح حليفها، وبلوغ المراقي ديدنها، وانفساح الطموح بلا سقوف مقود حركتها لشارف المقامات، وسامق الإنجازات.

حلول «التخصصي» في المرتبة الثانية عشرة عالميًا لأمر يستحق الفخر والزهو والتيه، عمل بعد جهد مضنٍ، أكسبه سمعةً عالمية، وبوّأه مكانة تتقاصر دونها صروح سبقته في عمر التشييد، ناف عليها بسريع الإنجاز، فكانت خطوته أسبق، وإنجازه مضطرد، مسطّرًا إنجازات نوعية رسّخت مكانته في عالم الطب، فأصبح مرجعًا عالميًّا في الجراحات الروبوتية وزراعة الأعضاء والطب الدقيق، في إنجازات هي الأولى من نوعها عالميًا زراعة كبد كاملة لطفل، واستئصال ورم داخل الجمجمة، وزراعة مزدوجة لمضخات مساعدة للبطينين، ضمن جراحات روبوتية متقدّمة، وسط سياق عالمي يتنامى فيه الدور المحوري للمراكز الطبية الأكاديمية،

مواصلًا ترسيخ مكانته عالميًا كمؤسسة صحية تخصصية تسهم في تطوير المعرفة الطبية والارتقاء بجودة الرعاية الصحية، من خلال نموذج متكامل يجمع بين التميّز السريري وبناء القدرات الطبية المتقدمة.

وزد من الشعر بيتًا عندما تدرك أن التخصصى صُنّف العلامة التجارية الصحية الأعلى قيمة في المملكة والشرق الأوسط، وأُدرج ضمن قائمة مجلة «نيوزويك» لأفضل مستشفيات العالم لعام 2025، وأفضل المستشفيات الذكية لعام 2026، وأفضل المستشفيات التخصصية لعام 2026، هذه المكانة خلاصة مسار طويل من العمل المؤسسي العميق، والرهان الواعي على العلم بوصفه استثمارًا استراتيجيًا، وعلى الإنسان بوصفه جوهر أي نهضة صحية حقيقية.

هذا الصعود عالميًا يعبّر عن ترسيخٍ مستدام لموقع المملكة ويكشف عن تحوّل «التخصصي» من مؤسسة وطنية إلى علامة طبية دولية ذات ثقلٍ معرفي وسمعة مهنية راسخة؛ فالاعتراف العالمي لا يُمنح بالمجاملات، بل يُنتزع عبر الأداء المتراكم، والنتائج القابلة للقياس، والقدرة على إحداث أثر حقيقي داخل المنظومة الصحية العالمية.

المؤسسات الطبية الكبرى لم تعد تُقاس بحجم مبانيها أو عدد أسرّتها، بل بقيمة أصولها غير الملموسة؛ المعرفة المتراكمة، التجارب السريرية الرائدة، السمعة المؤسسية، والقدرة على إنتاج العلم لا استهلاكه فقط.

ما تحقّق انعكاس لتحوّل وطني أوسع يرى في الصحة ركيزة سيادية، وفي البحث العلمي قوة ناعمة، وفي الإنسان محور التنمية. صعود يفتح أفقًا جديدًا لدور سعودي متقدّم في صياغة مستقبل الطب عالميًا، لا بوصفه متلقيًا للتجارب، بل شريكًا أصيلًا في صناعتها وتوجيه مساراتها..

فلن تكون «المرتبة الثانية عشرة»، على علوّها، مستقر «التخصصي» في رحلة صعوده، التي لا تقنع إلا بالصدارة دون مزاحمة، والأوّلية دون منافس، وإن هذا لوشيك الحدوث طالما بقيت «الرؤية» معاشة واقعًا، ومنجزة حضورًا باهرًا.

ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.