المؤكد أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد فقط انعكاساً لما يجري في الواقع، وإنما تسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقع؛ وفق أولويات وأيديولوجيات وممارسات ضاغطة لتوجيه الرأي العام، وبالتالي أصبح محتوى المنصات معبّراً عن هوية ومرجعية وأطر حاكمة وموجهة، وتتشكّل على أساسها المواقف المتناقضة، وتتعدد الآراء المتباينة، ويزداد حجم الصراع ليصل إلى ذروة الانقسام، وربما الصدام الذي لا يمكن أن يعود لمساره.
أمام مخاض الانعكاس وإعادة تشكيل الواقع تبدو التفاصيل أكبر مما يجب، وأكثر جراءة في تفسير وتحليل ما هو كائن على أساس أنه ما يُفترض أن يكون، رغم أن المنطق له رأي آخر، وممارسة سابقة، وحقائق يستند إليها في إثبات الحقيقة.
التحدي الآن هو محاولة دول ومنظمات وأحزاب خندقة الجمهور داخل «فقاعات» فكرية، أو أيديولوجية معينة، حيث يرفضون سماع أي آراء تخالف قناعاتهم، مما يزيد من حالة الاستقطاب وربما الاستلاب الفكري لهم.
وأصبح البديل كسر حاجز الخندقة بمحاولة فهم ما وراءه، والبحث عن وسيط يثق فيه الجمهور المنغلق على قناعاته، وتحرير أفكاره، وترميم مفاهيمه، والوصول إلى حالة من التوازن النفسي لمدركاته، والتكيّف مع الواقع برؤية أكثر شمولية وعمقاً في فرز الكامن، وإعادة العلاقة معه على أساس من الشفافية والموضوعية في التفسير والتحليل والتنبؤ بالمستقبل.
لنأخذ بيانَي وزارتَي الخارجية السعودية ودولة الإمارات بشأن ما جرى من أحداث مؤسفة في ولايتي شمال وجنوب كردفان في السودان، وذلك بعد الهجوم على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وأيضاً حافلة تقل نازحين مدنيين، التي أدّت إلى مقتل عشرات المدنيين العزّل من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية.
البيان الإماراتي يحاول خندقة الجمهور من خلال ثلاثة أفكار رئيسة؛ وهي عدم تسييس المساعدات الإنسانية أو استخدامها كسلاح، ووقف فوري لإطلاق النار والاقتتال وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، والثالثة عملية انتقالية جادة بقيادة حكومة مدنية شاملة ومستقلة بالكامل عن طرفَي النزاع والجماعات المتطرفة.
من يقرأ البيان الإماراتي يعتقد أن دولة أخرى أصدرته، وليس لها أي علاقة بما يجري في السودان، أو بتقديم الدعم والمساندة لقوات الدعم السريع ضد الحكومة الشرعية، أو بعدم تسييس المساعدات واستخدامها كسلاح، حيث خلا البيان الإماراتي من تسمية الفاعل الرئيس في المجزرة الإنسانية التي راح ضحيتها الأبرياء، وهو الدعم السريع.
في المقابل كان البيان السعودي -الذي سبق البيان الإماراتي بثلاثة أيام-، يعبّر عن استراتيجية كسر حاجز الخندقة وتفسير وتحليل ما وراءه، حيث سمّت صراحة قوات الدعم السريع الإجرامية في تنفيذ هذه الهجمات، وانتهاكاتها الصارخة في تأمين وصول المساعدات الإغاثية للمحتاجين، إضافة إلى تعرية البيان للتدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، رغم التزامها بالحل السياسي، كذلك التأكيد على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.
ردود فعل الجمهور على البيانين في شبكات التواصل الاجتماعي؛ كشفت وعياً عربياً ودولياً فيمن يحاول أن يخندق الرأي العام بأفكار يرفضها المنطق، وبين من يحاول كسر الحاجز بوضع الحقيقة أمام العالم ليحظى بثقته ومصداقيته.