في السنوات الأخيرة؛ برزت ظاهرة (الهشاشة النفسية) لدى الفتيات بشكل لافت، حتى أصبحت إحدى القضايا التي تشغل المختصين في التربية والإرشاد الأسري والصحة النفسية. فبينما كانت الفتاة في العقود السابقة تواجه ضغوط الحياة بصلابة وواقعية، أصبحت اليوم أكثر عرضة للانهيار أمام الصعوبات العاطفية والاجتماعية.. ولتلك الهشاشة النفسية لدى الفتيات عدة أسباب؛ أبرزها:
أولاً: التحولات الاجتماعية والتكنولوجية
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل وعي الفتاة بنفسها وبالعالم من حولها، كوهناك عوامل أخرى أسهمت في إضعاف المناعة النفسية للفتيات أبرزها: انخفاض الحوار الأسري الحقيقي، وغياب القدوة الواضحة، وازدياد العزلة الرقمية.
ثانياً: مظاهر الهشاشة النفسية
هذه المظاهر لا تعد ضعفاً في الشخصية، بل مؤشر إلى احتياج داخلي للأمان والانتماء والتوزان العاطفي.. ومن أبرز تلك المظاهر: سرعة الانفعال والبكاء أمام المواقف البسيطة، فقدان القدرة على ضبط المشاعر أو التعبير عنها بوعي، اللجوء للعزلة أو الإفراط في العلاقات الافتراضية بحثاً عن التقدير، القلق المستمر من الرفض أو الفشل، وتضخيم المشكلات الصغيرة حتى تبدو كأزمات كبرى.
ثالثاً: الأسباب العميقة
تتشابك الأسباب بين النفسية والتربوية والمجتمعية، ومن أبرزها:
ـ الفراغ الروحي والعاطفي الناتج عن ضعف الصلة بالله، وعدم ممارسة التأمل أو الامتنان.
ـ التربية المفرطة في الحماية التي تحرم الفتاة من التحديات الطبيعية وتمنعها من اختبار الفشل.
ـ غياب النماذج النسائية الملهمة الواقعية، مقابل حضور النماذج المزيفة عبر الإعلام.
ـ التشويش القيمي بين ما تراه الفتاة على المنصات وما تتلقاه من الأسرة والمدرسة.
ـ قلة التدريب على مهارات التكيف والمرونة النفسية في المناهج التعليمية.
رابعاً: بناء الحصانة النفسية
لإعادة توازن الفتاة داخلياً؛ لا بد من تنمية مهارات الوعي الذاتي وتنظيم الانفعالات، وتعزيز الثقة بالله أولاً ثم بالذات. كما يُنصح بعدة أمور: توفير مساحات آمنة للحوار والتعبير، تعليم الفتيات مهارات التعامل مع الرفض والفشل، تشجيع الأنشطة الواقعية والاهتمامات الحقيقية خارج العالم الرقمي، وإدماج برامج (الحصانة النفسية) و(التوازن العاطفي) في المدارس والجامعات.
خامساً: دور الأسرة والمجتمع
تتحمل الأسرة الدور الأهم في ترميم الهشاشة النفسية، عبر الحضور العاطفي، والاحتواء غير المشروط، والقدوة المتزنة.
كما أن على المجتمع أن يُعيد صياغة صورته عن (الفتاة القوية)؛ فهي ليست تلك التي لا تبكي، بل التي تعرف كيف تقوم بعد كل سقوط، وتتعلم من الألم بدلاً من أن تهرب منه.