كتاب ومقالات

المرأة الخيارة

أريج الجهني

«يُعرَّف الرجل بأنه إنسان والمرأة على أنها أنثى - فكلما تصرفت كإنسان يقال إنها تقلد الذكر»، هكذا تقول سيمون دي بوفوار، وفي السياق العربي يقال (امرأة عن ألف رجال)، ولا يزال أي سلوك تمارسه المرأة (يجندر) ويختطف وينسب للرجاجيل، بل حتى إحدى السياسيات الخليجيات الشهيرات تتباهى بأنها المرأة الوحيدة الممكنة، وتقول إن سر قوتها في أنها تشبه الرجال، وإنها تتحلى بأخلاقهم بل ترتدي بدلهم أيضا، وهكذا يستمر اختطاف إنسانية المرأة وجعلها في خانة (الشيء)، ولعل أكثر ما هز كياني في الأسبوع المنصرم واستحضر الباحثة المتخصصة بالجندر بداخلي، هو تصريح جهة ما! لست مهتمة بذكرها لأنها غير جديرة بالذكر، لكن صرحوا في بيانهم (إن المرأة خيار إستراتيجي)، ويا إلهي كيف جعلني هذا العنوان أعيش في حالة هلع، واستحضرت أشباح الصحوة لبرهة، فهذا الخطاب (صحوي) مع مرتبة الشرف!، وسأوضح خطورته المرعبة على ثلاثة مستويات أضعها بين يدي القارئ.

المستوى الأول، هو (تشييء المرأة). استخدمت الصحوة المرأة (كحلوة مغطاة) وجعلها شيئا، واختزلتها في أنماط وأدوار ترسخت في الأذهان، وأثرت بشكل قهري على السيدات في بيئات العمل. اعتبار المرأة (خيارا) هو لا يختلف عن اعتبارها (خيارة) أو جزرة أو حتى ورق عنب!، في حين أن الدولة لم تعتبر المرأة خيارا، بل جعلتها شريكة وصانعة للمشهد، فلماذا نجتر خطابات الصحوة؟ ولماذا نقول إنها (قبرت)، وهي بالواقع (باقية وتتمدد)؟!، الأدوات التي تستخدمها الصحوة لغويا وثقافيا لا تزال موجودة، وعودوا للقاء الدكتور الكبير صغير العنزي في «عكاظ»، حينما قال «إذا كانت الصحوة قد دفنت بهذه السرعة فقد ظلمناها في ما نزعمه عنها من التأثير وشدة الفعل». المدير الذي يجامل موظفاته فقط لجنسها (أنثى) هو رجل معتل وغير أخلاقي، ولو تأملت لوجدته غارقا في علاقات منحرفة، بخلاف المسؤول الذي يرى الجميع (موظفا وفريق عمل). وبالمناسبة تعقيب هام (المرأة في كثير من الأحيان تستلذ بهذا الاسترقاق الثقافي تجد فيه راحة بال ووفرة مال وسهولة وصول).

أما عن المستوى الثاني، فهو التمكين المزيف، نعم في اعتبار المرأة (خيار)، فهذه رسالة صريحة ومحبطة أن التمكين عملية شكلية، وحذرت كثيرا من هذا، فلا يزال التمكين بمفهومه الأولي البدائي، وهذا طبيعي، فمعظم من أسندت لهم ملفات التمكين والهوية لا يحملون أي درجة علمية في التخصص. نعم يا عزيزي القارئ التمكين تخصص وليس مجرد وجهات نظر اعتباطية (وفزعة وشرهات)، لا أجد حتى اللحظة أي مشروع حقيقي يعزز التمكين من الجذور، غرقنا في تمكين النخب والطبقات المخملية، وغابت الفتاة البسيطة وفتاة مدن الأطراف عن المشهد. التمكين منهج وأسلوب حياة يستدعي العلم والمعرفة مثله مثل أي حقل طبي!

المستوى الثالث، وهو الأخطر وقوعنا المحتمل في نوع إقصاء جديد للذكور، وهنا أستذكر التصريح الذي تم نفيه حول احتساب العمل (توظيف فتاة يعدل شابين)، ورغم نفي الوزارة حينها في عام ٢٠٠٨، أجد أن ذات العقلية في الموارد البشرية في الجهات المختلفة لا تزال تعيش وهج التمكين دون أن تراعي خطورة (التمييز) وضرورة (التنوع)، ما الفائدة إذن من النظر لجنس المتقدم؟ هل أنت تسعى لتوظيف الشخص أم الزواج منه؟ الجندرة تضر المرأة والرجل (على حد سواء)، وأعني النظر للموظف من خلال جنسه لا كفاءته ولا شهادته ولا حتى قدراته المهنية. نعم الموضوع ليس بالأمر السهل، التغييرات الثقافية دائما تكون الأصعب، ولغة الأرقام ليست مفيدة في الجانب المعنوي، فبناء مجتمع حيوي يعني أن نفتح الأبواب للجميع دون أن نهتم بخلفياتهم الثقافية ودون أن نضع أجسادهم رهن الاختيار أو التفضيل. وأختتم هذا بالتفكر في المنهج الرباني في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ببساطة وختاما لكل ما سبق لنجعل نظرتنا للناس لعطائهم وإنجازهم، ونتجاوز التنميط والجندرة فقد سئمنا!

كاتبة سعودية

areejaljahani@gmail.com