غفا الديموقراطيون مطمئنين إلى ما بشرت به استطلاعات الرأي المختلفة من فوز هيلاري كلينتون بكرسي الرئاسة في البيت الأبيض لكي يستيقظوا مساء الثلاثاء الكبير والطويل جدا على واقع فوز الحزب الجمهوري ووصول دونالد ترامب إلى منصب الرئاسة الأمريكية، واستطلاعات الرأي التي تتمتع بالمعايير الدقيقة التي تحاول مراكز الأبحاث عبرها تحقيق مصداقيتها وكسب الاحترام لتوقعاتها لم تخاتل الحزب الديموقراطي فحسب، بل خاتلت جميع من كانوا يرون في هيلاري كلينتون الرئيس الأكثر اتزانا في مقابل ترامب الذي يبدو من خلال تصريحاته أثناء حملته الانتخابية رئيسا «متنمرا» على نحو أفضى إلى قلق تجاوز الشرائح المكونة للشعب الأمريكي ليمس مصالح دول كثيرة، خصوصا تلك التي تربطها مصالح تاريخية مشتركة بأمريكا.

وإذا كان فوز ترامب قد خالف كل التوقعات وسفّه استطلاعات الرأي فإنه يعكس بشكل واضح «المزاج» العام السائد في أمريكا، وهو بطبيعته مزاج متقلب يؤكد تعاقب الرؤساء الأمريكيين فيه أن السياسة الأمريكية تتحرك وفق خطين يمثلهما الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري، وإذا كان الحزب الديموقراطي يجسد الرغبة في الانكفاء على الداخل الأمريكي والاهتمام بالإصلاحات الداخلية، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الدور الأمريكي العالمي، فإن الحزب الجمهوري يجسد الرغبة في الانفتاح الأمريكي على الخارج، وبالتالي تقوية الحضور الأمريكي في السياسة العالمية حتى وإن جاء على حساب الداخل الأمريكي، ومن هنا يكون تعاقب الحزبين في الحكم محاولة للسير في خطين متوازيين، بحيث يرمم كل حزب سلبيات الحزب الآخر، ولهذا لم يمنح الأمريكيون أصواتهم لهيلاري كلينتون، لأن ذلك يعني استمرار الحزب الديموقراطي في الحكم أربع سنوات تضاف إلى السنوات الثماني التي تمثل الفترتين الرئاسيتين للرئيس الديموقراطي أوباما.

المزاج الأمريكي المتسم بالرغبة في التغيير، والسياسة الأمريكية القائمة على تناوب وتعاقب الحزبين الديموقراطي والجمهوري لم تكن تسمح بفوز كلينتون، لأن ذلك يعني استمرار النهج نفسه الذي انتهجه أوباما وأفضى إلى ضعف الدور الأمريكي في السياسة العالمية، وحين منح الناخبون الأمريكيون أصواتهم لترامب فإنما منحوها لمن يعدهم بتغيير كبير تحت شعار استعادة أمريكا لدورها كي تبقى أمة عظيمة، وهو ما يعني أن العالم أمام منعطف جديد، فاستعادة أمريكا دورها يعني أمرين في وقت واحد: الأول منهما مواجهة التنمر الروسي الذي استغل الانكفاء الأمريكي إلى الداخل فأخذ يوسع من أطماعه، أما الأمر الثاني فيعني عودة التدخلات الأمريكية على النحو الذي عانى منه العالم خلال رئاسة بوش حين كانت أقدام المارينز تعيد رسم خارطة العالم.