1
لي أسماء كثيرة حتى أنني لم أعد أذكر عددها. لكن أهمها كانت ستة أسماء، بقيت عالقة في ذاكرتي وكأنها أسماء شوارع في حارات مكة لا يقرأها أحد. ستة أسماء بعدد الأزواج الذين قتلتهم منذ أيام الملك فيصل (1) إلى اليوم.
كل أزواجي مسنّون، حتى شعرت أنني في أحد الأوقات زوجة لمن هم فوق الثمانين فقط. أكبر أزواجي هو الأخير وكان يبلغ الخامسة والثمانين، أما أصغرهم فكان الثاني وناهز الواحد والثمانين عندما تزوجته. لم أنجب منهم. لم أنجب طوال حياتي.
2
كنت ألعب في «الخرابة» التي بجوار بيتنا باهتمام كبير. فالخرابة في مكة تضم كل ما تحلم طفلة عمرها أربع سنوات أن تجده من ألعاب الدنيا والآخرة كما كنت أعتقد تلك الأيام. أسياخ حديد صغيرة وأعواد خشب قصيرة وملساء وقطع من أقمشة ممزقة وأشياء حادة ومسامير صدئة وأخرى معقوفة. دنيا كبيرة من الأشياء المتفرقة أجمعها لأصنع العروسة الخشب، ثم ألبسها وأصنع لها رأساً بجمع بعض الأقمشة الممزقة وتكويرها وربطها على مهل حول رأس العروس الخشبي.
كان الرأس يكبر كلما وجدت المزيد من الأقمشة الممزقة. ويستمر إلى أن أتمنى أن أرسم للعروسة عينين وأراها تنظر إليّ. عندها فقط أضع بعض الأقمشة وأرتبها بحيث تكون (كرته) مناسبة، أعتبرها فستاناً للعروسة الرائعة.
لم يكن يلتبس عليّ شيء قدر سماعي لصوت العروسة وهي تهمس بذلك الفم المرسوم وتنظر إليّ ساهمة، أتطلع حولي والفرحة لا تسعنى بكل تلك الكلمات والنظرات لأعود إلى البيت مرة أخرى. أتقافز ممسكة بالعروسة، ونسمات الهواء تدفعها للمزيد من الكلمات والتي تزيد من سرعتي للوصول إلى البيت.
كان بيت والدي كبيرا والجميع مشغولون بتحضير الغذاء. رائحة «الكشنة» ببصلها المقلي بالزيت وبهاراتها الزكية تُسيل لعابي. أصعد الدرجات الخشبية الكبيرة حاملة العروسة وفرحة الدنيا تتملكني. أذهب مباشرة إلى «المركب» الذي صاروا يسمونه الآن بالمطبخ. لا يلتفت لوجودي أحد. فسنواتي الأربع وقصر قامتي ونحول جسمي يدفعهم كثيراً إلى الاستغناء عن خدماتي. ولكني الآن أجد رائحة الطبخ تشنقني والجوع يقرصني. قُدم لي بعض الأكل بعد أن طلبته من الجارية بُشرى والتي كنت اسميها أمي بشرى.
لم أكن أعرف معنى «جارية» في ذلك الوقت، ولكني كنت اعتبر بُشرى أماً لي. فهي من يعتني بي دائماً. لقد توفيت والدتي بعد ولادتي مباشرة وأصبحت الجارية، ببياضها الفارسي وصوتها المتعلثم، هي كل شيء في حياتي، وقد وصفت لي كيف أن والدتي الجميلة كانت تملك شعرا طويلا وجسما نحيلا وابتسامة ساحرة. ولم أخبر أمي بشرى بأني قد حلمت بوالدتي وتكلمت معها ولكن تفاصيل الحلم تاهت بين أكداس الأحلام الأخرى والخاصة بعرائسي وفي أوقات أشعر وكأنني لم أحلم بها من قبل.
عندما قدمت أمي بشرى الطعام إليّ كانت نظراتها قوية وهي تشير إلى أقدامي المتعفرة بالتراب وملابسي المتسخة ويدي الأكثر اتساخاً وشعري المنكوش. بدوت مثل جنية قادمة من الخرابة:
- ماذا كنت تفعلين في الخرابة يا عفريتة؟
بادرتني أمي بُشرى بهذه الكلمات وهي تقدم لي الطعام وتسحبني إلى بيت الماء (الحمام) لتغسل يدي، كما قالت في البداية، ولكنها غسلت جسمي كله. فقد اكتشفت أن ذلك أسهل. ألبستني ملابس نظيفة وجلستُ آكل الطعام على مهل والنعاس يداعب أجفاني ناظرة إلى عروستي الجديدة التي صنعتها قبل قليل. كانت كلمات عرائسي تحوم حول أذني وكأنها حشرات طائرة لا تتوقف.
كنت أود أن أعد عرائسي لأعرف عددهن بعد أن أضفت لهن عروستي الجديدة ولكني نمت مباشرة على الأرض بجوار «الخصفة» (2) قبل غسل يدي وكلمات العرائس تتصادم بجوار أذني بهمس يبتعد.
3
جرى الزواج الأول دون أن أدرك أنني تزوجت. عمري كان ثلاث عشرة سنة أو أقل ولكني أتذكر أن الملك فيصل قد أعلن وقتها إعتاق كل العبيد في المملكة. حدث ذلك قبل زواجي بأسبوع عندما هرعت إلى الجارية بشرى دون أن تدري ما العمل. تزاحمت في عقلها الأشياء وهي تقول:
- تعرفي سعدية أنه لا يوجد عبيد بعد الآن؟
- كيف؟
-الملك فيصل ألغى العبيد في البلد.
- يعني ايش؟
- يعني ما أعرف... أسأل وأقولك...
عندما تحدثت إلى بشرى في اليوم التالي كانت تتحدث بسرعة كبيرة لم أفهم أغلب كلماتها ولكني ضحكت لحظتها بحزن وخوف. كانت غمزاتها اللا إرادية لعينها ليمني ودمجها للكلمات يدفعاني إلى الضحك. اعتدت على الغمزات تلك فقد كنت أراها منذ أن وعيت على نفسي ولكني في أوقات قليلة عندما تكون بشرى في قمة انفعالها وتتلجلج الكلمات بين شفتيها تبدو ملامح وجهها مضحكة ولا أستطيع أن أمنع نفسي من الضحك لتهدأ بعض الشيء وتخرج الكلمات بعدها أكثر وضوحا. كان صوتها عاليا وتقول:
- لقد خرج العبيد من البيوت
لم أفهم تماما ما كانت تعنيه لذلك تساءلت:
- لماذا؟
- ليذهبوا إلى الشارع.. إلى الحرية
-...
- تعالى نشاهدهم من السطح
-...
انطلقت بشرى قبلي إلى السطح وسمعت خبط قدميها الحافيتين على أرضية الدرجات الأسمنتية المطبطبة (وقد أصبحت الدرجات الآن تغطي بالرخام) كان الصوت يصلني جافا كرنين مكتوم مما دفعني إلى اللحاق بها بانفعال طفلة لم تفهم شيئا. عندما صعدت إلى السطح اتجهت مباشرة إلى حيث تقف والتصقت بها بعد أن صعدت على الكرويتة الخشب (والتي كانت سرير النوم الخشبي المنتصب دائما في السطح).
كانت الشمس تميل نحو الغروب بسرعة وظلال المنازل تتداخل مع الشفق القادم من السماء والذي ينير أسطحها بحزن. رأيت العبيد وهم يخرجون من البيوت فبدو مثل النمل برؤوسهم السوداء. كانت ملابسهم مصفرة بسخاء وأيديهم الضخمة فارغة فبدت كفرحة معلقة على أكتافهم بتحركاتها المفرطة. يصلنا صوت حمام رب البيت (وهو الحمام الرمادي وجناحاه بهما بعض التقليمات السوداء ويحلق دائما في السماء فوق الحرم وعلى كل البيوت في مكة وكان الأولاد في الحارة دائما يجتنبون اصطياده فهم يعرفون تماما أن صيده حرام). ذلك الصوت الهادر يصلنا مختلطا بصوت العصافير الصغيرة، العائدة إلى أعشاشها فوق أشجار النيم واللوز الهندي، مع صوت خفيف للرياح القادمة من الشمال كلها تتداخل مع أصوات وقع أقدام العبيد وهم يخرجون من البيوت، فبدو كنهر ينساب بين البيوت باتجاه واحد نحو الحرم. كل يوم يتشجع المترددون من العبيد فيخرجون من البيوت في نفس الوقت تقريبا كأمواج صامتة باتجاه الحرية.
في اليوم التالي خرجت بشرى من البيت ولم تعد إليه ابداً. ولم أرها بعد ذلك في حياتي. لا أعرف هل ماتت أم لا زالت على قيد الحياة. شعرت بأنها هربت من حياتي باكراً. لم يطلب أحد منها الرحيل ولم تسأل، بل رحلت بسرعة ودون أن تودع أحداً أو تأخذ شيئاً من البيت.
استمريت في الصعود إلى السطح كل يوم لأقف في نفس المكان ملتصقة بجسد بشرى وكأنها تقف بجواري أنظر إلى مسيرات العبيد الهادرة من البيوت والمنسابة إلى الشارع والأزقة. أراقبها بصمت ويداخلني حزن يتسحب إلى نفسي كلما تذكرت عدم وجود بشرى بجواري فقد كنت في أيام أشير إلى بعض الأمور المضحكة والتي تحصل لبعض العبيد في عراكهم مع بعضهم أو مع مالكيهم وأنا منهمكة في المراقبة وأتحدث مع بشرى بانفعال وكأنها بجواري بالفعل.
كان لوالدي أربع جوارٍ إضافة إلى بُشرى والتي كانت الأولى في الهرب. طلب والدي من الباقيات الجلوس معي إلى أن أتزوج وبعد ذلك بإمكانهن الذهاب إذا أحببن. اختلف كل شيء في البيت.
شعرت وكأن الضياع سيعم البيت بعد ذلك.
داخلني خوف وفقد استمر معي طوال العمر. لن يكون هناك أحد يهتم بما أحتاج وسأفقد حضنها الدافئ. كنت أتوقع أن بيت والدي يعتمد فقط على أمي بشرى مثل حياتي ولكنني كنت مخطئة. فالحياة لم تتوقف في العالم توقفت بداخلي فقط. الجميع من حولي لم يشعر بشيء سوى هروب بشرى وانتهى الأمر على ذلك.
حتى بعد زواجي الأول بقيت الجواري في بيت والدي يأكلن ويشربن ويخدمن. الذي تغير هو أسماؤهن فقط. لم يعد يسميهن جواري. ولكن في داخل البيت وفي ما بيننا كن الجواري. وخصوصا زوجة والدي الثالثة الحقود تلك. لم تكن تهتم بشيء. ولا يعنيها زعل أحد أو رضاه. كانت مثل المتفجرات عندما تغضب؛ لا تترك أحدا في طريقها إلا وبعثرته إلى مئات الأجزاء الداخلية.
رتب الزواج بسرعة، فقد كانت زوجة والدي الثالثة بصوتها الجهوري، والذي يقترب من خشونة أصوات الرجال، تدفع بالجميع إلى النهاية القصوى من العمل. رتبت لكل شيء وتم زفافي بسرعة وفي أضيق ما يمكن، مثل زيجاتي الباقية.
أتى منشد الافراح (الجسيس) بأشعاره الجميلة، وجس مشاعر الحارة بأكملها. صدح الجسيس بعض الوقت ثم ذهبت إلى بيت الزوجية، كما يقولون، وأنا أكاد أتعثر بفستان الفرح الطويل جداً. كانت فرحتي فرحة طفلة منبهرة من الفوانيس والأنوار والألوان. كنت أرغب في اللعب مع صديقاتي وإخوتي الصغار، ولكنهم منعوني فاكتفيت بوضع كل عرائسي داخل إحدى شنط الدبش (كما كنا نسمى أغراض العروس تلك الأيام) ودسست واحدة تحت فستاني. ربطتها حول فخذي حتى لا تسقط ويسمع سقوطها المدوي أحدهم فيأخذها مني. كانت العروسة الباردة ملتصقة بجسدي الدافئ، وتشعرني بالأمان طوال تلك الليلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فيصل بن عبدالعزيز آل سعود (1906-1975) ملك المملكة العربية السعودية الثالث.
(2) التي يوضع عليها الأكل وتصنع من سعف النخل الرطب والملون في بعض الأحيان.
تنويه: الرواية ستكون في معرض جدة القادم.
* روائي وقاص سعودي.
لي أسماء كثيرة حتى أنني لم أعد أذكر عددها. لكن أهمها كانت ستة أسماء، بقيت عالقة في ذاكرتي وكأنها أسماء شوارع في حارات مكة لا يقرأها أحد. ستة أسماء بعدد الأزواج الذين قتلتهم منذ أيام الملك فيصل (1) إلى اليوم.
كل أزواجي مسنّون، حتى شعرت أنني في أحد الأوقات زوجة لمن هم فوق الثمانين فقط. أكبر أزواجي هو الأخير وكان يبلغ الخامسة والثمانين، أما أصغرهم فكان الثاني وناهز الواحد والثمانين عندما تزوجته. لم أنجب منهم. لم أنجب طوال حياتي.
2
كنت ألعب في «الخرابة» التي بجوار بيتنا باهتمام كبير. فالخرابة في مكة تضم كل ما تحلم طفلة عمرها أربع سنوات أن تجده من ألعاب الدنيا والآخرة كما كنت أعتقد تلك الأيام. أسياخ حديد صغيرة وأعواد خشب قصيرة وملساء وقطع من أقمشة ممزقة وأشياء حادة ومسامير صدئة وأخرى معقوفة. دنيا كبيرة من الأشياء المتفرقة أجمعها لأصنع العروسة الخشب، ثم ألبسها وأصنع لها رأساً بجمع بعض الأقمشة الممزقة وتكويرها وربطها على مهل حول رأس العروس الخشبي.
كان الرأس يكبر كلما وجدت المزيد من الأقمشة الممزقة. ويستمر إلى أن أتمنى أن أرسم للعروسة عينين وأراها تنظر إليّ. عندها فقط أضع بعض الأقمشة وأرتبها بحيث تكون (كرته) مناسبة، أعتبرها فستاناً للعروسة الرائعة.
لم يكن يلتبس عليّ شيء قدر سماعي لصوت العروسة وهي تهمس بذلك الفم المرسوم وتنظر إليّ ساهمة، أتطلع حولي والفرحة لا تسعنى بكل تلك الكلمات والنظرات لأعود إلى البيت مرة أخرى. أتقافز ممسكة بالعروسة، ونسمات الهواء تدفعها للمزيد من الكلمات والتي تزيد من سرعتي للوصول إلى البيت.
كان بيت والدي كبيرا والجميع مشغولون بتحضير الغذاء. رائحة «الكشنة» ببصلها المقلي بالزيت وبهاراتها الزكية تُسيل لعابي. أصعد الدرجات الخشبية الكبيرة حاملة العروسة وفرحة الدنيا تتملكني. أذهب مباشرة إلى «المركب» الذي صاروا يسمونه الآن بالمطبخ. لا يلتفت لوجودي أحد. فسنواتي الأربع وقصر قامتي ونحول جسمي يدفعهم كثيراً إلى الاستغناء عن خدماتي. ولكني الآن أجد رائحة الطبخ تشنقني والجوع يقرصني. قُدم لي بعض الأكل بعد أن طلبته من الجارية بُشرى والتي كنت اسميها أمي بشرى.
لم أكن أعرف معنى «جارية» في ذلك الوقت، ولكني كنت اعتبر بُشرى أماً لي. فهي من يعتني بي دائماً. لقد توفيت والدتي بعد ولادتي مباشرة وأصبحت الجارية، ببياضها الفارسي وصوتها المتعلثم، هي كل شيء في حياتي، وقد وصفت لي كيف أن والدتي الجميلة كانت تملك شعرا طويلا وجسما نحيلا وابتسامة ساحرة. ولم أخبر أمي بشرى بأني قد حلمت بوالدتي وتكلمت معها ولكن تفاصيل الحلم تاهت بين أكداس الأحلام الأخرى والخاصة بعرائسي وفي أوقات أشعر وكأنني لم أحلم بها من قبل.
عندما قدمت أمي بشرى الطعام إليّ كانت نظراتها قوية وهي تشير إلى أقدامي المتعفرة بالتراب وملابسي المتسخة ويدي الأكثر اتساخاً وشعري المنكوش. بدوت مثل جنية قادمة من الخرابة:
- ماذا كنت تفعلين في الخرابة يا عفريتة؟
بادرتني أمي بُشرى بهذه الكلمات وهي تقدم لي الطعام وتسحبني إلى بيت الماء (الحمام) لتغسل يدي، كما قالت في البداية، ولكنها غسلت جسمي كله. فقد اكتشفت أن ذلك أسهل. ألبستني ملابس نظيفة وجلستُ آكل الطعام على مهل والنعاس يداعب أجفاني ناظرة إلى عروستي الجديدة التي صنعتها قبل قليل. كانت كلمات عرائسي تحوم حول أذني وكأنها حشرات طائرة لا تتوقف.
كنت أود أن أعد عرائسي لأعرف عددهن بعد أن أضفت لهن عروستي الجديدة ولكني نمت مباشرة على الأرض بجوار «الخصفة» (2) قبل غسل يدي وكلمات العرائس تتصادم بجوار أذني بهمس يبتعد.
3
جرى الزواج الأول دون أن أدرك أنني تزوجت. عمري كان ثلاث عشرة سنة أو أقل ولكني أتذكر أن الملك فيصل قد أعلن وقتها إعتاق كل العبيد في المملكة. حدث ذلك قبل زواجي بأسبوع عندما هرعت إلى الجارية بشرى دون أن تدري ما العمل. تزاحمت في عقلها الأشياء وهي تقول:
- تعرفي سعدية أنه لا يوجد عبيد بعد الآن؟
- كيف؟
-الملك فيصل ألغى العبيد في البلد.
- يعني ايش؟
- يعني ما أعرف... أسأل وأقولك...
عندما تحدثت إلى بشرى في اليوم التالي كانت تتحدث بسرعة كبيرة لم أفهم أغلب كلماتها ولكني ضحكت لحظتها بحزن وخوف. كانت غمزاتها اللا إرادية لعينها ليمني ودمجها للكلمات يدفعاني إلى الضحك. اعتدت على الغمزات تلك فقد كنت أراها منذ أن وعيت على نفسي ولكني في أوقات قليلة عندما تكون بشرى في قمة انفعالها وتتلجلج الكلمات بين شفتيها تبدو ملامح وجهها مضحكة ولا أستطيع أن أمنع نفسي من الضحك لتهدأ بعض الشيء وتخرج الكلمات بعدها أكثر وضوحا. كان صوتها عاليا وتقول:
- لقد خرج العبيد من البيوت
لم أفهم تماما ما كانت تعنيه لذلك تساءلت:
- لماذا؟
- ليذهبوا إلى الشارع.. إلى الحرية
-...
- تعالى نشاهدهم من السطح
-...
انطلقت بشرى قبلي إلى السطح وسمعت خبط قدميها الحافيتين على أرضية الدرجات الأسمنتية المطبطبة (وقد أصبحت الدرجات الآن تغطي بالرخام) كان الصوت يصلني جافا كرنين مكتوم مما دفعني إلى اللحاق بها بانفعال طفلة لم تفهم شيئا. عندما صعدت إلى السطح اتجهت مباشرة إلى حيث تقف والتصقت بها بعد أن صعدت على الكرويتة الخشب (والتي كانت سرير النوم الخشبي المنتصب دائما في السطح).
كانت الشمس تميل نحو الغروب بسرعة وظلال المنازل تتداخل مع الشفق القادم من السماء والذي ينير أسطحها بحزن. رأيت العبيد وهم يخرجون من البيوت فبدو مثل النمل برؤوسهم السوداء. كانت ملابسهم مصفرة بسخاء وأيديهم الضخمة فارغة فبدت كفرحة معلقة على أكتافهم بتحركاتها المفرطة. يصلنا صوت حمام رب البيت (وهو الحمام الرمادي وجناحاه بهما بعض التقليمات السوداء ويحلق دائما في السماء فوق الحرم وعلى كل البيوت في مكة وكان الأولاد في الحارة دائما يجتنبون اصطياده فهم يعرفون تماما أن صيده حرام). ذلك الصوت الهادر يصلنا مختلطا بصوت العصافير الصغيرة، العائدة إلى أعشاشها فوق أشجار النيم واللوز الهندي، مع صوت خفيف للرياح القادمة من الشمال كلها تتداخل مع أصوات وقع أقدام العبيد وهم يخرجون من البيوت، فبدو كنهر ينساب بين البيوت باتجاه واحد نحو الحرم. كل يوم يتشجع المترددون من العبيد فيخرجون من البيوت في نفس الوقت تقريبا كأمواج صامتة باتجاه الحرية.
في اليوم التالي خرجت بشرى من البيت ولم تعد إليه ابداً. ولم أرها بعد ذلك في حياتي. لا أعرف هل ماتت أم لا زالت على قيد الحياة. شعرت بأنها هربت من حياتي باكراً. لم يطلب أحد منها الرحيل ولم تسأل، بل رحلت بسرعة ودون أن تودع أحداً أو تأخذ شيئاً من البيت.
استمريت في الصعود إلى السطح كل يوم لأقف في نفس المكان ملتصقة بجسد بشرى وكأنها تقف بجواري أنظر إلى مسيرات العبيد الهادرة من البيوت والمنسابة إلى الشارع والأزقة. أراقبها بصمت ويداخلني حزن يتسحب إلى نفسي كلما تذكرت عدم وجود بشرى بجواري فقد كنت في أيام أشير إلى بعض الأمور المضحكة والتي تحصل لبعض العبيد في عراكهم مع بعضهم أو مع مالكيهم وأنا منهمكة في المراقبة وأتحدث مع بشرى بانفعال وكأنها بجواري بالفعل.
كان لوالدي أربع جوارٍ إضافة إلى بُشرى والتي كانت الأولى في الهرب. طلب والدي من الباقيات الجلوس معي إلى أن أتزوج وبعد ذلك بإمكانهن الذهاب إذا أحببن. اختلف كل شيء في البيت.
شعرت وكأن الضياع سيعم البيت بعد ذلك.
داخلني خوف وفقد استمر معي طوال العمر. لن يكون هناك أحد يهتم بما أحتاج وسأفقد حضنها الدافئ. كنت أتوقع أن بيت والدي يعتمد فقط على أمي بشرى مثل حياتي ولكنني كنت مخطئة. فالحياة لم تتوقف في العالم توقفت بداخلي فقط. الجميع من حولي لم يشعر بشيء سوى هروب بشرى وانتهى الأمر على ذلك.
حتى بعد زواجي الأول بقيت الجواري في بيت والدي يأكلن ويشربن ويخدمن. الذي تغير هو أسماؤهن فقط. لم يعد يسميهن جواري. ولكن في داخل البيت وفي ما بيننا كن الجواري. وخصوصا زوجة والدي الثالثة الحقود تلك. لم تكن تهتم بشيء. ولا يعنيها زعل أحد أو رضاه. كانت مثل المتفجرات عندما تغضب؛ لا تترك أحدا في طريقها إلا وبعثرته إلى مئات الأجزاء الداخلية.
رتب الزواج بسرعة، فقد كانت زوجة والدي الثالثة بصوتها الجهوري، والذي يقترب من خشونة أصوات الرجال، تدفع بالجميع إلى النهاية القصوى من العمل. رتبت لكل شيء وتم زفافي بسرعة وفي أضيق ما يمكن، مثل زيجاتي الباقية.
أتى منشد الافراح (الجسيس) بأشعاره الجميلة، وجس مشاعر الحارة بأكملها. صدح الجسيس بعض الوقت ثم ذهبت إلى بيت الزوجية، كما يقولون، وأنا أكاد أتعثر بفستان الفرح الطويل جداً. كانت فرحتي فرحة طفلة منبهرة من الفوانيس والأنوار والألوان. كنت أرغب في اللعب مع صديقاتي وإخوتي الصغار، ولكنهم منعوني فاكتفيت بوضع كل عرائسي داخل إحدى شنط الدبش (كما كنا نسمى أغراض العروس تلك الأيام) ودسست واحدة تحت فستاني. ربطتها حول فخذي حتى لا تسقط ويسمع سقوطها المدوي أحدهم فيأخذها مني. كانت العروسة الباردة ملتصقة بجسدي الدافئ، وتشعرني بالأمان طوال تلك الليلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فيصل بن عبدالعزيز آل سعود (1906-1975) ملك المملكة العربية السعودية الثالث.
(2) التي يوضع عليها الأكل وتصنع من سعف النخل الرطب والملون في بعض الأحيان.
تنويه: الرواية ستكون في معرض جدة القادم.
* روائي وقاص سعودي.