أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1913.jpg?v=1786554379&w=220&q=100&f=webp

أنس بن سعد الشهراني

العدالة في جيبك: كيف أعادت السعودية تعريف علاقة المواطن بالمحكمة

رحلة وزارة العدل السعودية من طابور الانتظار إلى نقرة واحدة


لسنوات طويلة، كان المشهد واحدًا لا يتغير: مراجع يقف في طابور أمام كاتب العدل، وملف ورقي مبعثر يتنقل بين إدارة وأخرى بحثًا عن ختم أو توقيع، وموعد جلسة لا يُعرف متى ينتهي الانتظار قبله. اليوم، طُويت تلك الصورة تمامًا. اختصرت وزارة العدل السعودية رحلة كانت تُقاس بالأيام إلى إجراء يُقاس بالثواني، في واحدة من أنضج تجارب التحول الرقمي الحكومي في المنطقة.


حين تصبح المحكمة تطبيقًا في جيبك


في قلب هذا التحول تقف منصة «ناجز»، الواجهة الرسمية لوزارة العدل، التي تجاوزت دورها كموقع لتقديم الطلبات لتصبح منظومة متكاملة تضم نحو 140 خدمة إلكترونية، تُغطي تقريبًا كل ما كان يستوجب سابقًا حضورًا شخصيًا.


عبر هذه المنصة وحدها، بات توثيق عقد، أو إصدار وكالة، أو متابعة تنفيذ حكم، أو إتمام إفراغ عقاري والتحقق من صك ملكية، إجراءً يُنجَز من المكتب أو من المنزل، دون أن يطأ أحد قاعة محكمة.


طبقات من التحول، لا قفزة واحدة


هذا التطور لم يحدث دفعة واحدة، بل تراكم عبر محطات متتالية مدروسة. فبعد اكتمال أساسيات التقاضي الإلكتروني، جاء نظام «مراسلات» ليربط العمل الرسمي بين جهات الوزارة دون بريد ورقي، ثم أُطلقت منصة «تقاضي» لتفتح الباب أمام حضور الجلسات عن بُعد، وصولًا إلى نظام «ناجز المحاكم» الذي وحّد إجراءات محاكم الدرجة الأولى في أنحاء المملكة، بهدف تسريع البتّ في المنازعات وبناء قضاء مؤسسي أكثر انضباطًا.


هذا التدرّج ليس تفصيلًا تقنيًا هامشيًا، بل يكشف فلسفة العمل بأكملها: التحول الرقمي هنا لم يكن استبدال ورقة بشاشة، بل إعادة هندسة للإجراء القضائي من جذوره.


حين تصبح الشفافية نتيجة تلقائية


الأثر هنا يتجاوز راحة المستخدم الفردي بمسافة واسعة. فحين تُحدَّث بيانات المعاملة لحظيًا مع كل إجراء جديد، يكتسب النظام القضائي بأكمله شفافية لم تكن متاحة من قبل: يستطيع أي طرف تتبّع مصير معاملته لحظة بلحظة، بدل الاعتماد على وعود شفهية أو زيارات متكررة بلا نتيجة مضمونة. والربط الرقمي بين وزارة العدل والجهات الحكومية الأخرى سرّع تبادل المعلومات وتنفيذ الأحكام، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة الجهاز الحكومي ككل.


أما في عالم الأعمال والاستثمار العقاري، فقد اختصرت هذه المنظومة معاملات كانت تستغرق أيامًا - كنقل الملكية وتوثيق عقود الإيجار - إلى دقائق معدودة، وهو فارق له وزنه الحقيقي في بيئة أعمال تقيس نفسها اليوم بسرعة إنجاز المعاملة، لا بعدد المكاتب المفتوحة أمام الجمهور.


عدالة رقمية ضمن مشروع أكبر


لا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن رؤية السعودية 2030، التي جعلت من تطوير الخدمات الحكومية وترسيخ الشفافية إحدى ركائزها المركزية. فمنصة ناجز لم تعد أداة تقنية تخص وزارة واحدة، بل تحولت إلى نموذج يُستشهد به كلما دار الحديث عن توظيف التقنية في خدمة العدالة، ومقياسًا حقيقيًا لجدية التحول الرقمي الحكومي في المنطقة.


خلاصة


حين تتحول المحكمة من مكان تذهب إليه إلى خدمة تصلك أينما كنت، فإن ما تغيّر ليس واجهة الإجراء فحسب، بل مفهوم العدالة نفسها في علاقتها بالزمن والمسافة. تجربة وزارة العدل السعودية تحمل درسًا يتجاوز حدود القطاع العدلي: الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطابات، بل بمعاملة تُنجز في دقائق.

10:29 | 27-08-2026

الذكاء الاصطناعي والمحاماة: منافسة أم تكامل؟

يشهد العالم اليوم طفرة متسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، طالت مختلف القطاعات والمهن، ولم تكن المنظومة القانونية بمعزل عن هذا التحول الخاطف. ومع ظهور نماذج التوليد اللغوي والتحليل الفوري للبيانات، برز سؤال يُطرح بجدية في الأوساط القانونية والأكاديمية: هل نحن أمام تقنية تستعد لسحب البساط من تحت أقدام المحامين، أم أننا أمام أداة تمكين تُعيد تشكيل المهنة وتطوير أدواتها؟


ثورة في الكفاءة والسرعة


لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية في جانب «الأعمال المادية والتحليلية» للمحاماة. فالخوارزميات الحديثة أصبحت قادرة على فحص آلاف السجلات القضائية، وتلخيص العقود المعتمدة، في ثوانٍ معدودة؛ وهي مهام كانت تستغرق من المساعدين القانونيين والمحامين أياماً طويلة.


هذه السرعة الفائقة لا تقتصر فائدتها على توفير الوقت والجهد فحسب، بل تسهم بشكل مباشر في رفع جودة الاستشارات، وتقليل هامش الخطأ البشري في البحث، وتمكين مكتب المحاماة من التركيز على الاستراتيجيات القانونية الأهم بدلاً من الاستغراق في الأعمال الروتينية.


روح القانون وحس المنطق القضائي


ورغم هذا الذهول من قدرات الآلة، فإن قراءة الواقع من منظور قضائي وأكاديمي تكشف لنا عن ثغرة عميقة لا يمكن للذكاء الاصطناعي ردمها؛ ألا وهي «روح القانون» و«المحاكمة العقلية والإنسانية».


إن المحاماة ليست مجرد عملية استرجاع لنصوص نظامية أو صياغة قوالب جاهزة، بل هي بالأساس علم وفن يعتمد على فهم السياقات البشرية المعقدة، واستنباط المقاصد الشرعية والنظامية، وبناء الحجة والدفع القانوني المتزن. فالقضية الواحدة قد تتغير معالمها كلياً بناءً على ظروف واقعية، أو تقييم لنوايا الأطراف، أو تقدير المصلحة والعدالة؛ وهي أمور تتطلب حساً قضائياً ومنطقاً إنسانياً تعجز الخوارزميات عن استيعابه، لأنها تعمل وفق المنطق البرمجي والاحتمالي، لا وفق الإدراك الأخلاقي والقيمي.


ويُضاف إلى ذلك ثغرة دقيقة تُعرف تقنيًا بـ«الهلوسة البرمجية»؛ حيث تُنتج بعض نماذج الذكاء الاصطناعي أحيانًا مخرجات قانونية مضللة، كاستشهادها بمواد نظامية ببيانات وأرقام غير دقيقة، أو ربط نصوص بمدلولات غير متطابقة مع واقع النظام النافذ. هذا الخلل الفني يؤكد أن التقنية قد توفر سرعة البحث، لكنها لا تضمن سلامة الاستدلال، مما يجعل التدقيق القانوني البشري شرطاً أساسياً لا مناص منه لضمان حماية الحقوق وسد باب التضليل.


بالإضافة إلى ذلك، تقف المسؤولية المهنية والأخلاقية حائلاً دون إسناد القرار القانوني للآلة؛ فالسرية بين المحامي وموكله، والالتزام بأخلاقيات المرافعة، والمحاسبة على الخطأ المهني، كلها مبادئ قانونية تستلزم وجود عنصر بشري مسؤول أمام القانون والمجتمع.


من «المنافسة» إلى «التكامل»


إن الحديث عن إحلال الذكاء الاصطناعي محل المحامي بشكل كامل هو طرح يجانبه الصواب؛ فالواقع يشير إلى أن المنافسة ليست بين «المحامي» و«الذكاء الاصطناعي»، بل بين «المحامي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«المحامي الذي يرفض مواكبة التطور».


نحن نسير نحو مرحلة من التكامل الذكي، يكون فيها الذكاء الاصطناعي مساعداً بحثياً وفنياً فائق القوة، بينما يظل المحامي هو القائد الاستراتيجي الذي يستقرئ الواقعة، ويصيغ منطق الدفاع، ويخاطب وجدان المحكمة.

00:04 | 13-08-2026