أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1907.jpg?v=1785420875&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الواصل

التعاقب القيادي في الجامعات.. بين الجدارة واستدامة التميّز

حين تنجح مؤسسة في إعداد من يخلف قادتها قبل مغادرتهم، فإنها تؤسّس لاستدامة النجاح، لا لاستمرار الأشخاص. فالتعاقب القيادي لم يعد مجرد إجراء إداري لتعبئة المناصب الشاغرة، بل أصبح أحد أهم مؤشرات نضج المؤسسات، وقدرتها على المحافظة على مكتسباتها، ونقل خبراتها، واستمرار أدائها بكفاءة مهما تغيّرت القيادات.


وفي الجامعات على وجه الخصوص، تتضاعف أهمية التعاقب القيادي؛ لأنها ليست مؤسسات إدارية فحسب، بل بيوت للعلم، وحاضنات للكفاءات، ومراكز لصناعة المعرفة والابتكار، وشريك رئيس في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية. ومن هنا، فإن اختيار القيادات الجامعية لا يمثل قراراً إدارياً عابراً، بل قراراً إستراتيجياً ينعكس أثره على جودة التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وكفاءة الأداء المؤسسي.


ورغم ما شهدته الجامعات السعودية من تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة في مجالات الحوكمة، والتحوّل المؤسسي، والاعتمادات الأكاديمية، والتصنيفات العالمية، فإن الحديث عن التعاقب القيادي لا يزال يطرح تساؤلات مشروعة حول المعايير التي تحكم اختيار القيادات الأكاديمية والإدارية. فهل تُبنى هذه الاختيارات على الكفاءة، والإنجاز، والخبرة، والقدرة على القيادة؟ أم قد تتداخل معها -في بعض الحالات- اعتبارات العلاقات الشخصية أو المصالح المتبادلة؟


ولا يمكن الجزم بأن المحسوبية تمثل ظاهرة عامة في الجامعات السعودية؛ فالكثير من القيادات وصلت إلى مواقعها بجدارة، واستحقت الثقة بما قدّمته من إنجازات وإسهامات مؤسسية. إلا أن وجود حالات فردية، مهما كانت محدودة، قد يكون كافياً لإضعاف ثقة منسوبي الجامعة بعدالة المنافسة، وإحباط الكفاءات التي تشعر بأن فرصها لا تُقاس بما قدمته من عطاء، بل بعوامل لا ترتبط بالأداء أو الاستحقاق. فالمشكلة ليست في كثرة تلك الحالات أو قلتها، وإنما في أثرها على الثقافة المؤسسية، وعلى إيمان العاملين بأن الكفاءة هي الطريق الحقيقي إلى القيادة.


وحين يصبح المنصب وسيلة لتبادل المنافع أو إعادة تدوير الأسماء ذاتها، تتراجع روح المنافسة، وتضعف المبادرات، ويغادر كثير من المتميزين دائرة الطموح إلى دائرة اللامبالاة. والأخطر من ذلك أن المؤسسة قد تخسر عقولاً وطاقات كان يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً في تطوير التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع.


إن التعاقب القيادي الناجح لا يبدأ عند شغور المنصب، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال بناء الصف الثاني، واكتشاف القيادات الواعدة، وتأهيلها، ومنحها فرصاً حقيقية لإثبات قدراتها، وإشراكها في صناعة القرار، مع وجود معايير واضحة ومعلنة للمفاضلة، تستند إلى الإنجاز، والكفاءة، والقدرة على القيادة، والنزاهة، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية.


ولا ينعكس ضعف التعاقب القيادي على اختيار القيادات فحسب، بل يمتد أثره إلى استقرار الخطط الإستراتيجية، واستمرارية المبادرات، والمحافظة على المعرفة المؤسسية. فالمؤسسات الناضجة لا ترتبط نجاحاتها بالأشخاص، وإنما بالأنظمة والإجراءات التي تضمن استمرار العمل مهما تغيرت القيادات. أما حين ترتبط المبادرات بالأفراد أكثر من ارتباطها بالمؤسسة، فإن كثيراً من المنجزات قد تتباطأ أو تتوقف بمجرد انتقال المسؤول أو انتهاء فترة تكليفه.


ولذلك أصبحت الحوكمة والشفافية في اختيار القيادات ضرورة مؤسسية، وليست مجرد ممارسة إدارية. كما أن مستهدفات رؤية المملكة 2030 تؤكد أهمية رفع كفاءة الأجهزة الحكومية، وتعزيز المساءلة، وترسيخ التميّز المؤسسي، وهو ما يتطلب بناء منظومات قيادية مستدامة، تضمن استمرارية الأداء، ونقل الخبرات، وإعداد قيادات مستقبلية قادرة على مواصلة مسيرة التطوير.


إن الجامعات التي تتطلع إلى المنافسة إقليمياً وعالمياً لا يكفيها الاستثمار في المباني، أو المعامل، أو التقنيات، أو الاعتمادات والتصنيفات الوطنية والدولية، بل تحتاج قبل ذلك إلى الاستثمار في الإنسان، وإعداد القائد القادر على بناء فرق العمل، وتمكين الكفاءات، وصناعة بيئة مؤسسية تقوم على الجدارة والشفافية، لا على الأشخاص أو العلاقات.


فالمؤسسات لا تُختبر عند تعيين قائد جديد، بل تُختبر في قدرتها على أن يرحل قائد ويأتي آخر دون أن تتوقف مسيرتها أو تتراجع إنجازاتها. وعندما يصبح التعاقب القيادي قائماً على الكفاءة والجدارة والحوكمة، تتحول الجامعات إلى مؤسسات أكثر استدامة وقدرة على المنافسة، وتغدو القيادة مسؤولية وطنية تُبنى على الإنجاز والاستحقاق، لا مكافأة شخصية، ولا وسيلة لتبادل المنافع، وبذلك تضمن الجامعات أن يبقى نجاحها مرتبطاً بالمؤسسة، لا بالأشخاص.

00:00 | 6-08-2026

منصة القبول الموحد... بين تكافؤ الفرص وتحقيق الأثر

جاءت منصة القبول الموحد خطوةً مهمة نحو تطوير منظومة القبول الجامعي، انطلاقاً من هدف وطني يتمثل في تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع خريجي المرحلة الثانوية، وإتاحة التنافس على المقاعد الدراسية في الجامعات الحكومية وفق معايير موحدة، بما يعزز العدالة والشفافية ويرفع كفاءة استثمار المقاعد الجامعية، وهو توجه ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.


غير أن نجاح أي سياسة عامة لا يُقاس بسلامة أهدافها أو كفاءة إجراءاتها فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والأثر الاجتماعي والتنموي. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يتحقق تكافؤ الفرص بإتاحة المنافسة على جميع المقاعد الجامعية فحسب، أم ينبغي أن يمتد ليشمل تمكين الطالب من الدراسة في الجامعة الأقرب متى توافر فيها التخصص نفسه؟


ومع تطبيق سياسات القبول الحالية، برز انتقال أعداد من الطلاب والطالبات إلى جامعات تبعد مئات الكيلومترات عن أسرهم، رغم وجود جامعات في مناطقهم تقدم تخصصات مماثلة أو متقاربة. وقد ترتب على ذلك أعباء مالية إضافية على الأسر، تشمل السكن، والتنقل، وتكاليف المعيشة، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية، خاصة لدى خريجي المرحلة الثانوية الذين لا يزالون في مرحلة تحتاج إلى المتابعة والاحتواء الأسري. كما أن انتقال الطالبات إلى مناطق بعيدة يفرض اعتبارات اجتماعية تستحق أن تؤخذ في الحسبان متى لم يكن الانتقال مرتبطاً بتخصص نوعي لا يتوافر في الجامعة الأقرب.


كما أفرزت التجربة ارتفاعاً في حالات الانسحاب بعد إعلان القبول بسبب بُعد الجامعة أو ارتفاع تكاليف الانتقال، مما اضطر الجامعات إلى إعادة شغل المقاعد عبر مراحل قبول إضافية، وهو ما استهلك وقتاً وجهداً إدارياً كان بالإمكان الحد منه.


ومن زاوية أخرى، بدأت بعض الأسر، خاصة في المناطق الحدودية، تتجه إلى إلحاق أبنائها – على نفقتها الخاصة – بجامعات في الدول المجاورة لقربها الجغرافي وانخفاض تكلفتها مقارنة بانتقالهم إلى جامعات بعيدة داخل المملكة. وهذه الظاهرة، إن وجدت على نطاق مؤثر، تستحق الدراسة من الجوانب التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، كما تستدعي النظر في آثارها المحتملة على ارتباط الطلبة بالبيئة التعليمية الوطنية، وما قد يترتب عليها من اعتبارات فكرية وثقافية وأمنية.


ولعل المرحلة المقبلة تستدعي إجراء تقييم وطني شامل لسياسات القبول الجامعي، يقيس أثرها على استقرار الطلبة والأسر، ومعدلات الانسحاب، والتكاليف الاقتصادية، والتنمية المحلية، إلى جانب مؤشرات كفاءة إشغال المقاعد. فالمؤشرات التشغيلية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح أي سياسة عامة، ما لم تُقس آثارها الفعلية على المجتمع والتنمية.


وبناءً على نتائج هذا التقييم، يمكن دراسة تبني نموذج أكثر توازنًا في سياسات القبول، يحقق المواءمة بين المنافسة الوطنية والاستقرار الأسري، وذلك من خلال تخصيص حد أدنى من المقاعد لأبناء المنطقة التي تقع فيها الجامعة – ولتكن على سبيل المثال 0 – متى استوفوا شروط القبول، مع إبقاء بقية المقاعد مفتوحة للتنافس بين جميع خريجي الثانوية على مستوى المملكة. ومن شأن هذا النموذج أن يحافظ على مبدأ تكافؤ الفرص، ويعزز الاستفادة من الجامعات في خدمة مجتمعاتها المحلية، ويحد من انتقال الطلبة إلى مناطق بعيدة دون حاجة أكاديمية، مع استمرار المنافسة الوطنية على بقية المقاعد.


إن مراجعة سياسات القبول لا تعني التقليل من أهمية منصة القبول الموحد، بل تمثل امتداداً لنهج التطوير المستمر الذي تتبناه المملكة. فنجاح منظومة القبول لا يتحقق بشغل المقاعد الجامعية فحسب، وإنما بتحقيق أفضل مواءمة بين العدالة في إتاحة الفرص، والاستقرار الأسري، والاستفادة المثلى من الجامعات الوطنية، ودعم التنمية المتوازنة في جميع مناطق المملكة.

00:00 | 31-07-2026