أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1836.jpg?v=1763249470&w=220&q=100&f=webp

أ.د. مافوده يوسف سراج

العالم يتضافر من أجل نظام أكثر عدلاً

عَكَسَ غياب قادة الغرب عن العرض العسكري الذي أُقيم في الثالث من سبتمبر/أيلول في بكين، تفاقم التناقضات البنيوية بين الغرب والدول النامية، كما يعكس تمسك بعض الدول الغربية المتقدمة بعناصر غير عادلة في منظومة الحوكمة العالمية.


غير أن المشهد بدا مغايراً تماماً من جانب آخر، إذ أكد عدد كبير من قادة آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية مشاركتهم، في صورة تجسد التحولات الجيوسياسية الراهنة.


إن إحياء ذكرى النصر في حرب المقاومة يشكل الموضوع الأبرز لهذا العرض. فالحرب ليست مجرد مرآة للتاريخ، بل تحذيرٌ عميق لقيمة السلام. إذ يربط إحياء الذكرى بين تاريخ مقاومة الصين للعدوان والسردية الكبرى للحرب العالمية ضد الفاشية، بما يعكس احتراماً للتاريخ، ويجسد في الوقت ذاته موقفاً ثابتاً في الدفاع عن السلام، ورداً مباشراً على الأصوات التي تحاول تحريف تاريخ الحرب العالمية الثانية والتشويش على المسؤوليات التاريخية.


إن مشاركة عدد كبير من دول العالم في عرض الثالث من سبتمبر لا تندرج في إطار دبلوماسي بروتوكولي فحسب، بل هي تعبير صريح عن موقف سياسي، وهو موقف يناهض تمسك الغرب بنظام عالمي غير عادل، ويردّ جماعياً على محاولات الغرب تكريس الأحادية القطبية. وتطمح هذه الدول، عبر التعاون متعدد الأطراف، إلى توسيع هامش وجودها الاستراتيجي، ودفع الحوكمة العالمية نحو تعددية الأقطاب.


وهذا الحضور الدبلوماسي المتنوع يعكس أن العرض العسكري ليس مجرد استعراض صيني للقوة السياسية والعسكرية، بل هو أيضاً حشد دبلوماسي متعدد المستويات. ويؤكد حرص الدول الحاضرة للعرض على الاتجاه نحو استقلالية القرار الوطني، وتعزيز شبكات التعاون المتعددة، بما يواكب نزعة تعددية الأقطاب في العالم، ويدفع نحو نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً.


كما أن الصين، من خلال هذه المناسبة التاريخية، تبعث برسالة واضحة للعالم مفادها: التمسك بالرؤية الصحيحة لتاريخ الحرب العالمية الثانية، وصيانة النظام الدولي لما بعد الحرب.


وفي ظل عودة الهيمنة السياسية وتنامي منطق القوة لدى بعض الدول، ومحاولاتها تجاهل دروس الحرب العالمية الثانية، فإن الصين تؤكد عبر العرض العسكري أنها تستلهم من الانتصار العظيم في الحرب ومن دروسها المريرة عزيمةً على معارضة جميع أشكال الهيمنة، وأنها مع الدول المحبة للسلام والشعوب التواقة إلى العدالة، وستقف بحزم في وجه الظلم، وتعمل معاً من أجل بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.


إن هذا الموقف يمثل رداً عملياً على "الهيمنة الخطابية الغربية" في ميدان السردية التاريخية، كما يعكس جهود الصين الواقعية لدفع النظام الدولي نحو المزيد من العدالة والإنصاف عبر ذاكرة التاريخ.


*أكاديمي صيني

01:56 | 16-11-2025

عرض 3 سبتمبر.. تعبير صيني إستراتيجي

إنّ العرض العسكري الضخم الذي أقيم في 3 سبتمبر، وشارك فيه آلاف الجنود الصينين في ساحة تيانانمن، وبما للموقع المكاني والزماني من رمزية مهمة للصينيين، فإن العرض يتجاوز دلالاته التقليدية بوصفه استعراضاً عسكرياً بحتاً، بل أصبح بمثابة خطاب وطني شامل وتعبير إستراتيجي متعدد الأبعاد.

وكطقس سياسي، فإنّه يحمل وظيفة مزدوجة: إعادة إنتاج الذاكرة التاريخية من جهة، وخدمة متطلبات الحكم الوطني ومقتضيات التنافس الدولي من جهة أخرى. وفي ظل تدهور مستمر للأوضاع الأمنية العالمية، وعمق التحوّلات في النظام الدولي، تزداد أهمية هذا العرض العسكري، إذ يشكّل في الوقت نفسه إحياءً للتاريخ وبناءً للشرعية، واستجابةً للتحديات الراهنة ورسمًا لإستراتيجيات المستقبل.

وفي السنوات الأخيرة، وبدعم من الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، اندفعت إسرائيل في طريق التوسع العسكري غير المحدود. فهي من جهة أشعلت الحروب في محيطها، وحوّلت غزة إلى جحيم أرضي، واعتدت على إيران وسوريا واليمن؛ ومن جهة أخرى مارست سياسة «صبّ الزيت على النار»، إذ قامت مثلاً، خلال التوتر بين باكستان والهند، بتزويد الأخيرة بأسلحة ومعدات لدفع الصراع نحو مزيد من التصعيد. كما لجأت إسرائيل إلى أساليب الابتزاز الدولي، فعلى أعتاب افتتاح معرض باريس الدولي للطيران والفضاء لعام 2025، نشرت إحدى شركاتها العسكرية فيديو دعائياً مثيراً للجدل يُظهر محاكاة لضربة تستهدف فرقاطة صينية من طراز 054A، في رسالة تخويف مبطنة موجّهة إلى الصين. وبلغ بها الأمر إلى التلويح بعمليات «تصفية محددة» لقادة دول آخرين عبر القوة العسكرية. وهذا يكشف استخفافها بالنظام الدولي القائم، وإيمانها الأعمى بالقوة، واعتمادها على سياسة الترهيب والابتزاز.

من هذا المنطلق، يصبح لزاماً على الصين وغيرها من الدول النامية أن تأخذ في الاعتبار تحولات الوضع الدولي الراهن، وأن تُعد العدة لمواجهة «تغيرات القرن»، حتى تكون قادرة على حماية أمنها ومصالحها الإستراتيجية.

إنّ سلوك إسرائيل ليس مجرد تهور لدولة صغيرة، بل يعكس إرادة قوى كبرى تقف خلفها، تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحها الضيقة. وهو يعبّر عن خوف هذه القوى من تطوّر الدول النامية، ليس الخوف من أن تصبح هذه الدول متقدمة، بل الخوف من أن تخرج عن دائرة السيطرة الغربية.

وقد أثبت التاريخ الإنساني أنّ العنف لا يجلب الأمن، وأنّ السلاح لا يصنع السلام. إنّ الدول المهووسة بالتوسع العسكري والهيمنة لا تجلب الكوارث لشعوب المنطقة والعالم فحسب، بل تنتهي دائماً بجرّ شعوبها نفسها إلى ذكريات مريرة. فكم يدوم عمر دولة مهووسة بالهيمنة؟ مئة عام؟ مئتان؟ ثم ماذا؟ إنّ مسار التاريخ الحديث برهن أن تقدم البشرية يقوم على التواصل الحضاري لا على الصراع الوحشي والقهر العسكري. وكما يقول المثل الصيني: «ثلاثون سنة لشرق النهر، وثلاثون سنة لغربه» (معناه مثل قول العرب يوم لك ويوم عليك)، وهو تعبير عن قانون تطور العالم، وتذكير للبشرية بأن السلام هو الطريق، وأما منطق «القوي يسيطر على الضعيف» فلن يجلب إلا الاضطراب.
00:24 | 8-09-2025