أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1714.jpg&w=220&q=100&f=webp

فيصل زقزوق

الطب.. فنٌ أم علم.. ؟!

لطالما كان في اعتقادي أن ضرورة توحيد مستوى الخدمات الصحية والطبية، يعدُّ من أفضل وسائل تحسين الجودة الخدماتية بالقطاع الصحي، وذلك نظراً لتوحيد المعايير التي تمكّن من قياس الأداء بطريقة منظمة وموحدة، خاصةً أن التجارب المماثلة في القطاعات المختلفة أثبتت نجاحاً باهراً في قولبة الخدمات، مما أتاح سهولة الأتمتة وإشراك الذكاء الاصطناعي للخروج بكفاءة خدماتية تتمتع بجودة عالية (وموحدة).

وهنا أود -عزيزي القارئ- أن أعترف لك أنني من المعجبين بالفلسفة -خاصة الطبية منها-، إلا أنني من أفشل من أن أستخدمها بآرائي وكتاباتي، إلّا أن موقفاً قد حصل منذ أسبوعين كان دافعاً للتفكير في مسألة توحيد الخدمات الصحية من منظور فلسفي.

حضرت إحدى المناسبات الاجتماعية التي تواجد بها عدد لا بأس به من الممارسين الصحيين، فعبّر أحد الحاضرين عن مشكلة تباين الخطط العلاجية ما بين طبيب وآخر التي حصلت معه شخصياً، لافتاً النظر إلى تسبب ذلك بفقدان الثقة بالقطاعات الصحية نظراً لعدم توحيد (وقولبة) الخطط العلاجية، ولا شك أنها أحد التحديات التي كنت أعتقد أن قولبتها وتأطيرها هو الحل، إلى أن قام الدكتور أيمن الخضراء (أحد القادة بالقطاع الصحي بالمملكة) بمداخلة موجهاً السؤال التالي:

هل الطب علم أم فن؟

فتباينت الإجابات التي انصب معظمها إلى أنه علم.

فأجاب:

«بل هو فن تحكمه بعض القوانين العلمية».

وأعتقد أن ما قيل أبلغ من أن يتم شرحه، كما أنني لم أرَ المسألة من تلك الزاوية من قبل، فقد تكون تلك المعادلة هي ما نحتاج إلى فهمه لتقبل التباين ما بين طبيب وآخر، وما بين مدرسة وأخرى طبية، كما هو الحال ما بين فنان وآخر.

ولو نظرنا إلى الطبيب بنفس العيون التي تنظر إلى الفنان، ونظرنا إلى المراجع بعيون المتذوق للفن، لوجدنا أن المطابقة المطلقة ما بين عمل فني وآخر يخرجه من نطاق الإبداع والمنافسة للوصول إلى النتيجة المرجوّه، وهي إرضاء ذائقة المتلقي. ولوجدنا أن كل مريض أو مراجع يختلف في شكواه أو مرضه كاختلاف ذائقة متذوق فني لآخر، كما أن تقييمه للنتائج يختلف من شخص لآخر، مما يجعل تفصيل الخطط العلاجية فناً لا يمكن توحيده، وقد يكون تقبل التباين (المنطقي والمحكوم بحدود علمية وأخلاقية) هو الحل.

وحال الفن كحال غيره من مجالات الحياة، لا يمكن تقديمه وترجمته على الواقع دون القوانين العلمية والأخلاقية، وذلك لضمان الخروج بنتائج مقبولة للمتلقي، فهنالك شَعرةٌ بسيطةٌ ما بين الانتقال من المقامات الموسيقية (وهي قوانين علمية) بإبداع لحني، وما بين الخروج عن القوانين والسلالم الموسيقية الى منطقة النشاز.

ومع مواءمة ذلك مع الطب، فلا أعتقد أنه من الصحي توحيد الخطط العلاجية لحد المطابقة، فيظل التقييم الاكلينيكي والخبرة والحدس المحكومة بالبراهين العلمية والأخلاقية هي معادلة الفنان دارس الطب.

وهنا تبرز نقطة ضعف الذكاء الاصطناعي، الذي يتم بناؤه على خوارزميات ومعادلات، ويفتقد لطابع الفنان الممارس الصحي، مما يؤكد استحالة الاستغناء عن العامل البشري في اتخاذ القرارات العلاجية، على الأقل في المستقبل القريب.

23:26 | 31-01-2026

ما بين الشمولية.. والتخصصية الطبية..!

قبل عدة سنوات، في أحد اللقاءات العلمية قام أحد الحاضرين بتعريف نفسه وتخصصه، فأردف قائلا: (فلان بن فلان استشاري جراحة الأنف الأيمن)، فلربما أني قمت بتصديق ما قال، لولا أن أشار إلى أنها طرفة ذات مغزى في خاطره، منتقداً بها ظاهرة إلزامية التخصصات الدقيقة وتشعباتها، واختزال الخدمات الصحية إلى الدقيقة دون مراعاة التخصص العام أحياناً، مما أشعل نقاشاً طويلاً ما بين مؤيد ومعارض. وهنا يُطرح السؤال، ما هي المعادلة المتزنة ما بين توفر الخدمة الطبية المتخصصة وتوفر خدمة طبية شمولية؟ وهل الأفضل للطبيب هو تقديم القليل من كل شيء أم الكثير من شيء واحد؟ أم الوزن بين كليهما؟
ومع ملاحظة الشريط الزمني لوجود التخصصات الطبية فإننا نجد أن بداية وجود الأطباء في المملكة في أوائل القرن العشرين كان من خلال استقطاب أطباء عامين، ولربما وجدوا بالمدن الكبرى فقط بمعدل طبيب واحد في بعض المدن، ومحدودية الخدمات آنذاك كانت تحتم عليهم استقبال جميع أنواع الحلات وعلاجها بلا استثناء. تطورت الأمور بعد ذلك بدايةً من منتصف القرن إلى نهايته، حيث بدأ مفهوم التخصصية، متزامناً مع انطلاق الابتعاث، فحصل الكثير من الأطباء السعوديين على التخصصات العامة، كاختصاص الطب الباطني واختصاص الجراحة العامة والأطفال والنساء والولادة.. إلخ، وحالهم كحال الطبيب العام سابقاً، اضطروا إلى توسيع دائرة خدماتهم حتى وإن شملت جوانب خارج تخصصهم في بعض الأحيان. ومع نهاية القرن العشرين تطور مفهوم التخصصات الدقيقة بشكل كبير، مما عاد على الخدمات الطبية بالنفع وريادة الكثير من المنشآت الطبية السعودية على مستوى العالم.
في الجانب الآخر، صاحب ذلك ارتفاع المنافسة والرغبة في دراسة سنوات أكثر من قبل الطلاب والأطباء المتدربين لغرض التميز والحصول على فرص وظيفية أفضل. وبالنظر إلى تاريخ تطور المفهوم فإننا نجد أن حاجة الوصول إلى سوق العمل الطبي والممارسة الطبية كانت تتطلب ٧ سنوات من الدراسة في عام ١٩٥٠، مقابل ذلك نجدها تتطلب ما بين ١٣ إلى ١٦ سنة في ٢٠٢٥، أي ما يعادل زيادة سنة كل عشر سنوات، ويبقى السؤال: هل ستستمر تلك المعدلات في النمو؟ وهل حان الوقت لتغيير هيكل المقررات والمسارات الطبية؟
وبالنظر إلى بعض الأمثلة العالمية، فنجد أن مقاعد التخصصات الدقيقة في أمريكا وكندا وأوروبا ليست دائماً هي المطلب الأول لأبناء تلك البلدان، وذلك بسبب نظرتهم إلى أنها قد تقيد من ممارستهم في مجال واحد، وأنه ليس بحاجة إلى مؤهل إضافي لعمل ما يريد دقيقاً، ويتشابه هذا الفكر ببعض دول أوروبا كألمانيا، كما نجد عكس ذلك في بعض المراكز التميزية التي تتطلب التخصص دقيقاً في مجال ما بعينه.
ولا شك أني من مؤيدي التخصصية، وذلك لآثارها الإيجابية المتعلقة بتقديم أحدث التقنيات المواكبة للتقدم العلمي، وفتح مجال الأبحاث العلمية الدقيقة التي تسهم بشكل مباشر وغير مباشر على المستفيدين والمؤسسات العلمية، مع مراعاة أنها لابد أن تمثل نسبة متزنة ما بين الأطباء العامين والمتخصصين، في التخصص العام والتخصص الدقيق، وربما الإبقاء على ممارسة المتخصصين الدقيقين إلى ممارسة تخصصاتهم العامة والمحافظة على تلك الثقافة. أما الآثار السلبية للنزوح عن ممارسة التخصص العام تنقسم إلى آثار على الممارس الصحي والمراجع، أما ما هو على الممارس: ١- التأخر عن مواكبة العلوم بتخصصه العام، ٢- فقدان المهارات الإكلينيكية والجراحية لتخصصه العام، ٣- عدم تنويع المخاطر بممارسة تخصص دقيق قد يختفي بفضل الابتكار أو التقنية. وأما الآثار السلبية على المراجع: ١- تدني الكفاءة المؤسساتية (مثال: اضطرار المراجع لطلب خدمة من ٣ أطباء في نفس القسم والسبب اختلاف تخصصاتهم الدقيقة مع تشابه تخصصهم العام). ٢- ارتفاع التكلفة نظراً لأن الخدمة تقدم من عدة أشخاص كلٌ منهم على حِدة، والتي تنعكس بشكل غير مباشر على أسعار التأمين.
ولاشك أن الموضوع بحاجة إلى دراسات أكثر تعمقاً، إلا أنه لابد من العمل على المفهوم والفكر والثقافة المرتبطة بالتخصصية الدقيقة، وذلك من خلال تعزيز أهمية دور الجميع دون استثناء في المنظومة الصحية، عاماً أم متخصصاً، وإيجاد معادلة ما بين (شغف الممارس، حاجة المجتمع، عدد المستفيدين، وتوجه المؤسسة الصحية الخدماتي).
00:30 | 16-10-2025

الامتياز التجاري للخدمات الصحية..

بدأت موجة الامتيازات التجارية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتشير بعض المصادر إلى ما قبل ذلك بـ300 عام؛ التي أسهمت، في العقود الأخيرة بشكل كبير، في توسيع نطاق توفير الخدمات للمنشآت التي تصل لمرحلة النضج المؤسساتي خارج حدود جغرافية واحدة، وذلك من خلال الاستفادة من معادلة تربط الجودة، والخبرة ورؤوس الأموال، وإدارة المخاطر. فيحرص المستثمر على تكرار النماذج الناجحة، والاستفادة من الخبرة الإدارية والتكاليف العامة ومعايير الجودة والإشراف التي تقدمها الجهة المانحة، مقابل رسوم ونسبة من أرباح الشركة، وتختلف آليات التعاقد إلا أن التصور العام يظل ثابتاً، فيؤدي ذلك إلى كفاءة وسرعة النمو والانتشار لتلك المؤسسات الممنوحة موفرة وقت التأسيس وبناء الخبرة.

وهنا أود الإشارة إلى أن النضج المؤسسي بالقطاعات الصحية بالمملكة يعد فرصة مناسبة لتكرار التجارب الناجحة بالمدن الكبرى إلى بقية مناطق المملكة (وأعتقد أن ذلك يتحقق حالياً) ومن ثم إلى دول المنطقة والعالم، لا سيما أن الكثير من تلك المنشآت ترتكز على معايير ورقابة عاليتين، وربما ساهمت في وضع فلسفتها الخاصة بالقطاع الصحي، والتي تستحق التصدير.

ومن الأمثلة على الأنشطة ذات الفرصة الكبيرة قطاع المختبرات، المراكز والعيادات التخصصية، والمستشفيات، وخدمات تقنية المعلومات الصحية، والخدمات التدريبية، ومراكز الأشعة، والصيدليات، والرعاية المنزلية، والكثير غيرها من الخدمات الأساسية والمساندة.

ولا يخفى أهمية تسليط الضوء على المبدأ العام كهدف استراتيجي مشترك ما بين القطاع الخاص (كمانح للامتياز) وما بين القطاع العام (كمشرّع استراتيجي وتنفيذي) وبعض الأطراف المستقلة كشركات تنظيم المؤتمرات والمنتديات وشركات الاستشارات المالية والصحية (لإيجاد البيئة المناسبة للشراكات).

ولا توجد طريقة صحيحة واحدة لتطبيق ذلك، إلا أنه لا بد من نشر الفكرة بين مقدمي الخدمة في القطاع الخاص، وما لذلك من الأثر الاستراتيجي على مؤسساتهم وعلى التنمية الخدماتية الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر. ويمكن تكييف التجارب الناجحة السابقة بالسوق السعودي والاستفادة منها ومن مهندسيها لإعداد المؤسسات لتلك الخطوات، خاصة ما يتعلق بمعايير وسياسات الجودة والحوكمة، لضمان استمرارية ونجاح تلك المشاريع وتحقيق أهداف جميع الأطراف.
00:53 | 23-03-2025

ثقافة الاندماجات والاستحواذات في القطاع الصحي..!

لا شك أن النمو الذي يشهده القطاع الصحي يعد من نتائج ومخرجات الرؤية المباركة، وكذلك تطور المعارف المختلفة في سوق العمل السعودي، التي لا تقتصر على المعرفة الطبية فحسب، بل إن مساهمة معرفة قطاعات الأعمال بمختلف تخصصاتها كان أحد أهم أسباب النمو المشهود، كما أن اندماج تلك المعارف لتطوير القطاع الصحي ساهم في تطوير مفهوم جودة الخدمات، فاستحدثت مفاهيم إدارية جديدة تختص بتطوير القطاع، الخاص منه والعام، مؤدياً إلى توسيع أفق الأهداف الإستراتيجية لتلك المنشآت، فلم تعد تقتصر على توفير الخدمة من عدمها فقط، بل تطورت لتصبح الريادة الخدماتية، والتطور العمراني والحضاري، والمشاركة بالأسواق المالية، والانتشار، والاستثمار في التقنية العلاجية والدوائية والابتكار أهدافاً إستراتيجية ذات اهتمام بالغ. والتي لا شك أنها ساهمت وبشكل ملحوظ في أن نصبح من رواد الخدمات الصحية في العالم.

وهنا أود تسليط الضوء على إحدى المعادلات التي أعتقد أنه ينبغي التركيز عليها لتعزيز كفاءة الكيانات المشغلة للقطاع، ألا وهي الموازنة ما بين محدودية الشركات المشغلة وما بين كثرتها التي تؤدي إلى بعثرة الجهود (Fragmentation)، وهي حالة من انتشار مراكز التكلفة بسوق المشغلين الصحيين، مصاحبة مع محدودية نمو الكفاءة التشغيلية والتطويرية، نظراً إلى أن الخطوات التنموية والقفزات الناجحة للمنشآت غالباً ما تحتاج إلى بعض الأمور، مثل: ١- رؤوس أموال جديدة للتوسع. ٢- سيولة وملاءة مالية عالية. ٣- بيانات لمستفيدين على نطاق أكبر. ٤- استقطاب كفاءات إدارية وتنفيذية بتكاليف عالية. ٥- تعيين شركات استشارية لبناء خطط ومشاريع مستقبلية.... إلخ. مما قد يؤخر نمو المنشأة نظراً للحاجة إلى الوقت والموارد لتوفير ما سبق ذكره. من جهة أخرى، نجد أيضاً أن الحالة العكسية من استحواذ لاعبين محددين على تشغيل السوق يمثل مخاطرة أخرى ذات طابع احتكاري، والذي لربما ينعكس بشكل سلبي على مستوى الخدمات والتنوع والتنافسية والإبداع.

أعتقد أن المرحلة القادمة بحاجة إلى الموازنة بين الأمرين السابق ذكرهما، مع استحداث مفاهيم تخص ثقافة الاندماجات والاستحواذات في منشآت القطاع الصحي، كاستحواذ شركة متوسطة أو كبيرة على عدد من مراكز الخدمات كالمستوصفات أو العيادات العامة، أو اندماج مجموعة من المراكز تحت كيان صحي جديد أكبر حجماً وأعلى دخلاً ومعرفةً وبيانات. والذي سينعكس أثره البالغ في تمكين القدرة على المنافسة الإقليمية والعالمية بشكل أكثر فاعلية، ومعرفة حجم السوق الحقيقي بدلاً من بعثرة نقاط القوة.
00:00 | 5-01-2025

العلاج في الخارج.. حاجة أم عادة؟

في شهر ربيع الثاني من عام 1376هـ (قبل سبعين عاماً) افتتح الملك سعود -طيب الله ثراه- أول مستشفى حديث بالمملكة، والذي عرف باسم مستشفى الملك سعود أو مستشفى الشميسي، بطاقة استيعابية لـ400 سرير في ذلك الوقت، محدثاً إحدى نقاط التحول في تاريخ الخدمات الصحية بالمملكة وتوفرها، لاسيما وأن معظم الخدمات الطبية المعقدة لم تكن متوفرة آنذاك، متزامناً مع بداية التنمية وتوسع البنية التحتية التي ساهمت في ارتفاع الكثافة السكانية بالرياض وباقي المدن الكبرى، مؤديةً إلى ارتفاع الطلب على الخدمات، حيث باتت الحاجة إلى هذا التوسع ضرورة قصوى. وكان إيذاناً لانطلاق عصر جديد في علاج الأمراض والوقاية منها، حتى وصلنا إلى هذا العهد الزاهر الذي تنعم به المملكة في تقديم خدمات غير مسبوقة في القطاعات الصحية العامة والخاصة، بل وإن عدداً ليس بقليل من تلك المنشآت تنافس في جودتها مراكز متقدمة على مستوى العالم. وبالرغم من كل هذا التقدم إلا أن مسألة العلاج بالخارج تظل مطلباً عند الكثير من الناس، وذلك إما لأسباب طبية أو ثقافات بحاجة إلى تحديث.

وهنا أود تحليل الأسباب بشكل عام، أولاً: عدم توفر الخدمة النادرة، وذلك أمر طبيعي فقد تجد مراكز متخصصة على مستوى العالم معنية بعلاج نوع معين من الأمراض يندر ظهوره، مما لا يستدعي توفير الخدمة داخل المملكة نظراً لارتفاع تكاليف توفيرها محلياً وندرة المستفيدين منها، وهم مثال معمول به في جميع الدول المتقدمة طبياً -كالمملكة وأمريكا وكندا. ثانياً: عدم الرضا عن جودة الخدمة وتجربة المراجع أو المريض، وأهمها كالتالي:1- ضعف التواصل بين المستفيد ومقدم الخدمة. 2- ضعف جودة تعامل الكادر الصحي لافتقاد المنظومة لحوافز مبنية على تقييم المراجع. 3- بطء الخدمات والإجراءات مقارنةً بسرعتها الفائقة بالقطاع الخاص.

ولتطوير تلك النقاط لا بد لمنشآت القطاع العام من تبني الهيكلة التشغيلية والإدارية المتبعة في القطاع الخاص الذي يعتبر أن جودة الخدمة هي أهم روافد النجاح للمنظومة وكفاءة المخرجات العلاجية والخدماتية، والتي بدورها تنعكس على الحوافز المقدمة لمقدمي الخدمة لتأكيد جودة وراحة الكادر مع قياس أدائهم.

ثالثاً: فقدان الثقة في مقدم الخدمة أو الممارس الصحي، حيث إن ما نشهده اليوم من غزارة المحتوى الدعائي أو التثقيفي على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع أدى إلى زعزعة الثقة في الأطباء بسبب تعقيدها في بعض الأحيان، مضطرةً المراجع إلى زيارة عدة أطباء بمختلف المنشآت لاسيما وأن تباين التشخيص والخطط العلاجية من طبيب إلى آخر أمر وارد -ومقبول إذا كان بدرجة بسيطة- إلا أنه سرعان ما يفقد المستفيد الثقة ويلجأ لطلب العلاج الخارجي (الذي لا يختلف عن الموجود بالمملكة بمعظم الأحيان). وجزء من المشكلة هنا تعدد زيارة المختصين (انظر المقال السابق بعنوان التسوق الطبي) والتي قد يكون أحد حلولها إشراك المستشفيات الخاصة من ضمن تسلسل الخدمات الطبية للتجمعات الصحية بدلاً من اقتصارها على مستشفيات مملوكة لقطاع واحد بطريقة تؤدي إلى إمكانية الموازنة بين ازدواجية الخدمات وطلب الاستشارة الثانية (second opinion) بشكل ممنهج يضمن للمراجع عدم الدخول في تلك الدوامة الفكرية، بالإضافة إلى حوكمة المحتوى الإعلامي المبالغ فيه بطريقة تعزز من الخدمة الطبية والعلاجية.
00:22 | 5-11-2024

التسوّق الطبي.. وزراعة الوهم

تعد الخدمات الطبية من القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بحاجة الإنسان، وهي غاية سامية تحتّم على جميع من يتحمّل أمانتها أن يتعامل معها كتجارة لا تبور ذات معايير مختلفة لا يحكمها المال، إنما تجارة رابحة من الأجر والأثر الاجتماعي العظيم، فلا شك أن أثر الخدمة الصحية المناسبة على الفرد يمثل أماناً للنفس والبدن، مما ينعكس على أداء الفرد والأسرة بالمجتمع، لذا من المهم جداً المحافظة على الثقة بهذا القطاع.

كما تعد ظواهر التثقيف الطبي من العلامات الإيجابية على نمو نسبة المتخصصين في المجتمع، لكن كحالها من الظواهر التي لا بد وأن يصاحبها بعض من السلبيات، والتي سأتطرق لأهمها، وهي اثنتان: أولهما نشر المحتوى الطبي المتخصص والموجه لصاحب المهنة في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، ثانياً: غزارة المحتويات الدعائية الطبية.

والسبب لتطرقي لذلك هو اعتقادي بأنها تستنزف الموارد النفسية والمادية والمعنوية لدى متصفحي وسائل التواصل الاجتماعي، فنشر المحتوى غير المتخصص يحمل كثيراً من المعلومات غير المكتملة، ولربما نتائج مبكّرة لدراسات لم يتم تطبيقها على الإنسان أو حصولها على الفسح المطلوب، مما يؤدي لخلق آمال مبكّرة أو خيبات أمل غير صحيحة، كتلك التي تبشّر بالقضاء على السرطان وغيرها. ولا شك أن تلك الدراسات ذات أهمية عظمى في إطار البحث العلمي وبحثها من قبل المتخصصين في المحافل العلمية التي تقوم بتمحيص ونقد الأبحاث للخروج بالنتائج التطبيقية ما إذا كانت تصب في مصلحة المريض من عدمها. كما أن بعض تلك المعلومات قد تخلق شيئاً من الوهم لدى المتلقي، فيُهيأ له إصابته بالمرض هذا أو ذاك، فيقوم بزيارة عدة أطباء للاطمئنان بعدم إصابته بالمرض المعني، مما يؤدي أيضاً لخسائر اقتصادية من خلال دفع كشفيات متكررة وخضوعه لتحاليل وصرف أدوية ربما حصل عليها مسبقاً (والذي ينعكس بشكل مباشر على أسعار الخدمات الطبية والتأمين الصحي)، ولربما فقدان الثقة بالأطباء نظراً للتباين البسيط بين رأي طبيب وآخر.

وفي ما يخص النقطة الثانية، فإنه من المهم للممارس الصحي إبراز مهاراته العلمية والعملية عن طريق وسائل التواصل أو وجود موقع إلكتروني خاص بالطبيب أو صفحة مخصصة له في موقع المنشأة الطبية أو مواقع التواصل، دون المبالغة في تطبيق الدعايات بطريقة لا تتناسب مع الخدمة الطبية المبنية على الثقة بالطبيب، والتي لا بد أن نسعى جاهدين للمحافظة على تلك العلاقة.

لذا، أعتقد أنه لا بد من حوكمة المسألة، والموازنة ما بين التثقيف الصحي العام (وهو مطلب مهم) وما بين محاولات التثقيف الطبي الدقيق على وسائل التواصل، ولا بأس في استخدام تلك الوسائل لإظهار مؤهلات الأطباء ومساهماتهم العلمية في المجال بشكل مناسب، مع إبقاء المعلومات المتخصصة والاختلافات العلمية في المؤتمرات والمحافل المتخصصة، كما يجب المحافظة على التسلسل الصحيح للحصول على الخدمة الطبية ضماناً لسلامة المرضى، دون تحفيز المجتمع بطريقة قد تؤدي إلى محاولة كسر هذا التسلسل.
00:15 | 3-09-2024

أهلية العلاج.. بمفهوم جديد

تعد أهلية العلاج من المصطلحات الدارجة في القطاعات الصحية، حيث تتمثل في استحقاق المراجع للخدمات المجانية في الجهة المعنية، وغالباً ما تكون تلك القطاعات مختصة بعلاج منسوبي القطاع الأكبر الذي تنتمي إليه ملكية المنشأة، كالخدمات الطبية والصحية بالجامعات والوزارات (غير وزارة الصحة)، التي لا يخفى أثر تميزها ودورها التنموي في تطوير الخدمات الصحية بالمملكة، إضافةً الى دورها الأكاديمي والبحثي، ومن أسباب ذلك هو اقتصارها على تأمين الخدمات لشريحة محدودة، مما أدى إلى الاستثمار في جودة الخدمة والإنفاق العالي، وبالتالي فقد تمكنت بعض تلك القطاعات من توفير خدمات طبية متقدمة لم تتوفر بغيرها.

ومن الجانب الآخر، فإن اقتصار الخدمات النادرة والمتخصصة على شريحة محدودة من منسوبي القطاعات أدى إلى عدم استفادة المراجعين المحتاجين للخدمة من غير المنسوبين، مما أدى إلى أحد الأمرين، إما لجوء المراجع إلى الخدمة النادرة أو المتخصصة في مدن أخرى، حيث تتوفر بقطاعات أشمل من ناحية أهلية العلاج (وغالباً ما تكون مستشفيات وزارة الصحة)، الأمر الآخر هو استحداث لجان مختصة للنظر في طلبات المواطنين المتقدمين للاستفادة من الخدمة، وبالتالي تقر اللجنة باستثناء المراجع من عدم ذلك.

لا شك أن المستفيد دائماً من يحصل على الخدمة في نهاية الأمر، لأننا بوطن يكرّس كل القدرات والإمكانات لخدمة الإنسان، ومن الممكن أن يتم تطوير تلك الطرق بشكل أفضل يمكّن من تفعيل الإجراءات والربط بين القطاعات دون الحاجة إلى الأمرين السابق ذكرهما.

ومسألة تطوير الربط في أهلية العلاج مسألة معقدة وبحاجة إلى دراسات وتحليلات متخصصة أكبر من مجرد مقال، إلا أن المبادئ التي يمكن أن يُرتكز عليها هي كالتالي:

1 - تفعيل دور التأمين الوطني وتأمين القطاع الخاص، للاستفادة من خدمات تلك المنشآت لمنسوبي القطاعات وغيرهم.

2 - إدراج جميع المنشآت الصحية في مناطق التجمع الصحي باختلاف مرجعية ملكيتها، سواءً كانت من القطاع العام (شركة الصحة القابضة أو الوزارات والجامعات) أو القطاع الخاص ضمن التجمعات الصحية، لاسيما أن خصخصة تشغيلها أصبح أمراً واقعاً، وذلك لتمكين تفعيل تسلسل الخدمات الصحية بشكل تكاملي وشمولي، بما يحقق للمواطن الاكتفاء الخدماتي داخل تجمعه الصحي، كما يتيح مواءمة التسلسل المعمول به بنظام التجمعات الصحية لمنشآت وزارة الصحة على جميع المنشآت.
00:17 | 18-08-2024

القطاع الثالث.. والصحة

لطالما كانت تكلفة الخدمات الصحية من أهم العوائق التي تواجه القطاع، حيث إنها تختلف عن غيرها من القطاعات، فالتكلفة التأسيسية في حد ذاتها تحتاج لمبالغ طائلة، وحالها كحال التكاليف التشغيلية، وفي كثير من الأحيان تتعثر المنشآت تشغيلياً بسبب أنها استنزفت رؤوس الأموال في التكاليف التأسيسية، فتنشأ مبانٍ ضخمة بطاقات تشغيلية متواضعة، والعكس صحيح.

وهنا أود أن أسلّط الضوء على نقطة مهمة، وهي أن القطاع الصحي من أصعب القطاعات ربحية بشكل مباشر، وذلك نظراً للأسباب المذكورة سابقاً، مما أدى إلى أمرين؛ أولاً: هجرة رؤوس الأموال عن الاستثمار في قطاعات صحية نموذجية ومتقدمة لخطورة تعثرها، ثانياً: ارتفاع أسعار الخدمات الصحية لتمكين ربحية المستثمر، وفي المقابل ينعكس ذلك على أسعار التأمين الصحي.

ومن النماذج الجيدة التي أعتقد أنها قد تكون نقطة تحول هي إشراك القطاع غير الربحي والمسؤولية المجتمعية في تبني بعض التكاليف العينية، وخاصة التأسيسية، كالمباني والأجهزة الطبية والتجهيزات الأخرى، ونجد أن في أفضل وأغنى مستشفيات العالم الكثير من الأمثلة على ذلك، فيوضع على المباني والأثاث والأجهزة الطبية والمصاعد والكراسي والأجنحة لوحات شكر وعرفان للشخص أو الجهة المتبرعة، مما يمكّن تلك المستشفيات من الاستثمار في تخفيض أسعار الخدمات، مع التركيز على تطوير الجودة ودعم البحث العلمي والابتكار، ولا شك أن ذلك يُصاحب بحوافز أخرى كإعفاءات وتخفيضات ضريبية في بعض الدول.

وهنا أثمّن دور الجهات غير الربحية والمساهمة المجتمعية في ملء فجوة التكاليف، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى تفعيل الدور بشكل أكبر وأعم نفعاً، وجزء من المشكلة هي الفجوة بين مؤسسات القطاع الصحي والقطاع الثالث في تحديد الاحتياج، خاصة أن الأمر يعد حديثاً بعض الشيء على القطاع الصحي.

ولتفعيل ذلك ينبغي التركيز على التالي: 1- العمل على مستوى وزاري لتفعيل ثقافة دور القطاع غير الربحي والخدمة المجتمعية في القطاع الصحي. 2- دراسة حوافز تتناسب مع الدور المقدم. 3- تحديد آليات لطرح فرص المساهمات -كالإعلان عن الحاجة إلى جهاز أشعة مقطعية بقيمة معينة - من خلال مسار أو برنامج معين بإشراف وزارتي الصحة والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. 4- تفعيل دور تكريم وإطلاق أسماء المتبرعين على كل جزء مساهم به. 5- متابعة وقياس مدى تأثير ذلك على تخفيض أسعار الخدمات والتأمين.
00:03 | 16-07-2024

الصحة التنبؤية

لطالما كان التوسع في تقديم الخدمات الصحية وزيادة أعداد الممارسين الصحيين أهمية قصوى، وذلك من أجل مواكبة الاحتياج في جميع المناطق، خاصةً تلك المدن والمحافظات التي قد لا تتوفر بها مستشفيات أو مراكز طبية تلبي الاحتياج الكبير، وقد جرت العادة أن تعويض الشح للخدمات يولّد توسيع عدد مقاعد التعليم العالي والتدريب المتخصص، بالإضافة إلى استحداث المشاريع الصحية الجديدة من أجل الوصول إلى الاكتفاء الخدماتي في جميع المناطق، ولا شك أن ذلك هو الحل الأهم، ومما لا يقل أهمية عن ذلك هو جدولة التوسع بحيث أن لا تفيض تلك الخدمات والكوادر المتخصصة عن الحاجة المطلوبة بعد زمنٍ معين.

ومن هنا أود الاستفادة من النهج المتبع في قطاعات الأعمال ومحركات الاقتصاد الوطني، والتي يتم فيها إجراء التحليلات والدراسات الموسعة تحت مبدأ التنبؤ (Forecasting)، وكلمة التنبؤ هنا لا تعني الحدس وحده، إنما الارتكاز على أسس تحليلية للوضع المستقبلي، مع مراعات عوامل مختلفة، كالاقتصاد العالمي والطاقة، ووضع سلاسل الإمداد والأوضاع السياسية والأمنية ببعض البلدان المصنعة للتقنيات، والتحديات المناخية، وأحدث الابتكارات والاختراعات، وسلوك المستهلكين.. إلخ، ومن ثم يتم الخروج بتقارير دقيقة وتوصيات استثمارية بناءً على المعطيات.

في اعتقادي، ونظراً لما يشهده القطاع الصحي من نمو متسارع، فإنه من الضروري على القطاعات الصحية العامة والخاصة الاستثمار في فكرة الصحة التنبؤية (Health care forecasting)، وذلك من أجل الوصول إلى كفاءة التطوير المطلوبة في الاتجاهات المناسبة المبنية على التنبؤ العلمي، بشكل أكثر إنتاجية، وربما أقل تكلفة، مما يمكّن القطاع من النمو الريادي على مستوى العالم.

فقد تكون أمراض العصر الحالية مجرد ذكرى خلال السنوات القادمة، وقد يتم اكتشاف أمراض جديدة، خاصة مع التغيير المستمر في نمط وأساليب الحياة لدى البشرية من خلال تأثير المتغيرات لكل عصر، وتكثر الأمثلة في هذا الشأن مما يتطلب تحليلا لتدرج ظهور واندثار الأمراض، إلا أنها تظل مسألة ينبغي النظر إليها من زوايا أبعد مما نراه في يومنا. ويعتبر عامل البحث والابتكار والتطوير من الركائز الأساسية لهذا المبدأ، حيث إنها لا تقل أهمية عن الأوبئة أو الجوائح في تغيير مسار الصحة لدى البشر، فكم من عقار أو جهاز أو أداة أو تقنية معينة غيرت العالم إلى الأفضل.

باختصار، إن استطعنا التنبؤ بالوضع الصحي للمستقبل تمكّنا من استثمار الإمكانيات البشرية والمادية في ابتكار مجالات جديدة تتناسب مع معطيات المستقبل بكفاءة.
00:03 | 24-06-2024

من المريض إلى المراجع

يزور معظم الناس مرافق الخدمات الصحية بشكل متعدد في السنة الواحدة؛ وذلك للقيام بإجراءات تتعلق بالصحة بشكل عام، وكلمة صحة تشتمل على المفاهيم التالية: الوقاية، التثقيف، الاستشارة، وأخيراً العلاج. أي أن الفئة المستهدفة للخدمة هي المجتمع ككل، وليس بالضرورة أن يكون المستفيد (مريضاً).

فقد بدأ تعريف الصحة منذ زمن بعيد على أنها حالة الخلو من المرض، إلا أن المعطيات الحالية مع توفر الموارد والتقنية تتطلب تطويراً لمؤشرات الصحة بشكل أوسع وأكثر طموحاً لتوفير جودة حياة تتناسب مع الإنسان، مما يؤكد دور الصحة الشمولي.

وهنا أود الإشارة إلى أن استخدام كلمة (مريض) بالمرافق الصحية تشير الى تقليص دور المنظومة الصحية ككل إلى الخدمات العلاجية للمصابين بالأمراض، التي تنعكس أيضاً على طريقة التعامل مع المستفيد، كما أنها تعطي الكثير صفة ليست بهم، حيث تتم مناداتهم باسم المريض (المريض فلان بن فلان، وصل المريض، أجرى المريض التحاليل، سيتم جدولة موعد المريض... إلخ)، وما قد يتبع ذلك من إيحاء بالمرض لا يدركه مقدم الخدمة، حتى وإن كان المراجع فعلياً يعاني من مرض ما، فإن تكرار طريقة النداء بذلك لا ينعكس إيجاباً عليه من الناحية النفسية والتفاؤلية.

وتجد في اللغات الأخرى أن المراجع أو المستفيد من الخدمات الصحية يحمل أسماء Patient باللغة الإنجليزية والفرنسية على سبيل المثال، والتي تعني المنتظر، فمن الممكن استبدال التسمية بأحد الأمثلة التالية: المراجع، المستفيد، المنتظر، الضيف، مما يحمل معاني تشمل جميع الفئات المستفيدة، وقد ينعكس أيضاً على جودة الخدمة من خلال جعل تجربة المستفيد تتسم بتعامل مميز.

قد يبدو الأمر مجرد مسمى، لكن الهدف العام هو تطوير مفهوم خدمة المستفيد بمراكز تقديم الخدمات الطبية، لا سيما التفاصيل الصغيرة التي لا يدرك أثرها الكثير.
00:03 | 3-05-2024