أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1308.jpg?v=1768311455&w=220&q=100&f=webp

محمد حميدة

القاهرة والرياض وعواصف الشرق الأوسط..

كلما اشتدت الريح والعواصف، تجلّت مكانة الدول وطبيعة العلاقات بينها، فإما أن تحملها الريح كرمال الربع الخالي، أو أن تصمد مثل صخور الكوارتزيت، التي تزداد صلابة من قرن لآخر.

منذ عقود طويلة ارتبطت القاهرة والرياض بوحدة المصير رغم أي تباينات لم تجد أي مساحة في العلاقات التي ترسّخت على ركائز صلبة في القلب منها الأمن والتنمية في منطقة تعج بالصراعات والنزاعات والمؤامرات.

لا يمكن اعتبار العلاقة بين البلدين مجرد تحالف، بل هي بمثابة «توأمة استراتيجية» بالغة الأهمية، وهذا بالطبع لا يعني الاستغناء أو التقليل من دور كل العواصم العربية الشقيقة التي تتكامل مكانتها بمكانة القاهرة والرياض، وتزيد مواقفها من قوة القرار العربي الذي بتنا في أمس الحاجة إلى الحد الأدنى من وحدته أمام ما يشهده العالم من تحوّلات، للحفاظ على ما تبقى من استقرار منطقتنا.

رغم أن البعض يعود بالتاريخ لحرب 1973 باعتبارها محطة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، إلا أن الكثير من المحطات سبقت نصر أكتوبر، بداية من معاهدة الصداقة 1926، وأولى الاتفاقيات التي وقّعت بين البلدين، وكذلك دعم المملكة بقوة لمصر في مطالبها الوطنية لجلاء القوات البريطانية، في المحافل الدولية، واتفاقية التعمير 1939 التي أنجزت من خلالها مصر مشاريع عمرانية في المملكة الشقيقة، وصولاً لاتفاقية الدفاع المشترك (1955)، التي أسست لمراحل لاحقة أثناء العدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

كل المحطات السابقة أكدت أن العلاقات بين البلدين ليست مرحلية، ولا تقوم على المنفعة المتبادلة فحسب، بل أعمق من ذلك بكثير.

في الوقت الراهن تتطابق المواقف أيضاً تجاه العديد من القضايا التي تشكّل «وحدة» في المخاطر والتحديات، سواء ما يعلق بأمن البحر الأحمر، والقضية الفلسطينية، وعمليات التقسيم، وغيرها من المخاطر التي تتطلب تكاتف الجهود العربية الأخرى مع القاهرة والرياض للحد من التبعات الواقعة.

إلى جانب الأمن والاستقرار تبرز لغة الاقتصاد، التي تعدّ ركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار وتثبيت ركائز القوة، وكذلك تحقيق الأهداف الاقتصادية المشتركة للبلدين بحجم تبادل تجاري ينمو بشكل كبير من عام لآخر، مما يجعلهما من أهم الشركاء التجاريين لبعضهما البعض، خاصة أن المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر المستثمرين في مصر، باستثمارات تراكمية تقارب 50 مليار دولار، تشمل العديد من القطاعات، مثل الطاقة، العقارات، الزراعة، والسياحة، بما يعزز الاستفادة المتبادلة، إذ تعد مصر سوقاً مهما وبوابة نحو أفريقيا للمنتجات السعودية، بالإضافة لفرص العمل والتنمية التي تتحقق من خلال الاستثمارات السعودية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن هذه العلاقة قادرة على صنع الفارق في منطقة الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً.

تكمل التوأمة بين البلدين بركنها الثالث، ما بعد الأمن والسياسة، والاقتصاد والتنمية، يأتي الفن، ولا يقل أهمية عن الركيزتين السابقتين، إذ تعد العلاقة الفنية بينهما تاريخياً وحاضراً مغايرة عن كل أوجه التعاون بين مصر والدول العربية الشقيقة، فكانت السينما والدراما المصرية هي النافذة التي يطل منها الجمهور السعودي على العالم العربي، وشكّلت جسراً ثقافياً لا يمكن تجاهله، فيما عرفت السنوات الأخيرة، تطوّراً لافتاً في هذا التعاون، رأيناه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان الرياض، وهنا أود الحديث بصراحة للجانبين، على المستوى الأول إن المصري بطبيعته لا يحقد على أحد ولا يخشى من أي صعود أو دور مهم للفن في دولة شقيقة خاصة إن كانت المملكة، لكنه غيور دائماً على الريادة، وربما هو السر الذي حافظ على مكانة مصر الفنية منذ عقود، وهو أمر يجب أن يفهم في هذا المسار، وعلى الجانب الآخر، فإنه من الطبيعي والمشروع أن تسعى المملكة لحضور فني وازن ورائد، وهو في النهاية يتكامل مع الحضور المصري، ولا يخصم أي منهما من مكانة الآخر.

في المجمل يتضح أن مصر والسعودية تواجهان تحديات متطابقة، بل يمكن اعتبارها وجودية اتصالاً بوحدة الأهداف والمبادئ والعلاقة الراسخة التي تربط قيادتي البلدين، وحرصهما على عدم انهيار الدولة الوطنية والوقوف بحزم أمام مخططات الكيان الساعي لتعزيز التقسيم في عدد من الدول، ما يتطلب اليوم تكاتفاً ضرورياً بين الشعبين لتنفيذ الرؤية المشتركة التي تتكامل أيضاً بدور الدول العربية الشقيقة في فلسطين والسودان واليمن وليبيا والصومال وسوريا ولبنان.

00:05 | 14-01-2026

واشنطن وبكين والشرق الأوسط..!

يشهد العالم تحوّلاً كبيراً في موازين القوى، في وقت أصبح فيه تعدد القطبية واقعاً ملموساً رغم عدم اكتمال أدواته المتمثلة في إصلاح المؤسسات الدولية التي رسّخت «أحادية القطبية» على مدار عقود.

يثير المشهد الذي تعيشه المنطقة منذ أكثر من عقدين تساؤلات حول المستقبل في ظل صراع تجلى بين الشرق والغرب، ويبرز بشكل أكبر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد الصراع محصوراً في بحر الصين الجنوبي أو العقوبات التجارية، بل تحوّل من المستوى الأمني والعسكري الذي تمثله «الرؤية الأمريكية، إلى صراع متعدد الأبعاد بما يشمله من بنى تحتية واقتصاد وتكنولوجيا متقدمة» الرؤية الصينية.

ربما نلحظ التحرك الأمريكي الأخير الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تحت «أجنحة السلام»، حول العالم، لكنها في الحقيقة بمثابة محاولة لكبح الصعود الصيني مع دول المنطقة من جهة، والحفاظ على أحادية القطبية والعلاقات التاريخية مع دول المنطقة من جهة؛ لذلك وجدت مراكز صنع القرار في الداخل الأمريكي في القضية الفلسطينية أحد المحاور المهمة في استعادة أو الحفاظ على علاقتها مع الدول العربية والمنطقة، وهو ما يفسر تغيّر الموقف الأمريكي من أزمة قطاع غزة على وجه التحديد.

تاريخياً اعتمدت الولايات المتحدة على «الاستراتيجية الأمنية» وضمنها محاربة الإرهاب، ومحاولة احتواء النفوذ الخارجي في المنطقة، لكن هذا الأمر لم يمثل الأهمية نفسها كما في السنوات الماضية بعد التقارب الإيراني العربي، والدور الذي لعبته بكين في اتفاق الرياض وطهران.

في المقابل تقدم الصين نفسها شريكاً شاملاً تعتمد «البراغماتية الاقتصادية»، مع حفاظها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لتقابل نقاط الضعف في العلاقة مع واشنطن والغرب بنقاط قوة، قفزت بالعلاقات إلى مستويات لم تكن متوقعة قبل سنوات، خاصة أن تراجع اعتماد واشنطن على النفط العربي، يقابله الاعتماد الصيني بنسبة 53% من واردات النفط على منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن مبادرة «الحزام والطريق» التي تعد المنطقة العربية هي أهم حلقاتها.

يتجلى التحوّل في العلاقات من خلال الأرقام إذ تحتل الصين الصدارة بعد أن تجاوز حجم التبادل التجاري بين بكين والعواصم العربية 400 مليار دولار أمريكي في عام 2024، في حين أن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والدول العربية كان أقل، بما يُقدر بنحو 141.7 مليار دولار أمريكي في عام 2024، الأمر الذي يوضح بصورة جلية مستقبل العلاقات الاقتصادية.

بالنظر لشبكة الحلفاء اعتمدت واشنطن على تحالفات أمنية عميقة، حيث تمنح بعض الدول صفة «حليف رئيسي خارج الناتو»، لتعزيز التعاون العسكري والاستخباري، ومنها السعودية والإمارات وقطر والبحرين، فيما ترتبط بعلاقات أمنية ومساعدات عسكرية مع مصر والأردن والمغرب. أما إسرائيل فهي الشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في المنطقة.

في المقابل انفتحت الصين على علاقات كبيرة مع كل الحلفاء لواشنطن، بل استطاعت تجاوز الجانب الأمريكي على المستوى الاقتصادي، في مسعى لتجاوزه أمنياً من خلال استراتيجية التنمية بدلاً من النزاعات والحروب، وهي عملية ليست هيّنة إذ تحتاج لقرارات وخطوات صعبة من دول الشرق الأوسط.

بعض العوامل تسهم في تحديد مستوى العلاقات عادة بين الدول والقوى العظمى، وهنا تعززها احتياجات وتطلعات الدول العربية ومصالحها الوطنية، التي باتت مرتبطة بشكل أكبر بالتنمية والاستثمارات، الأمر الذي يرجّح كفة الصين، في حين أن معادلة الأمن لا تزال تشكّل معضلة، إلا إذا قررت الصين الدخول إلى جانب روسيا لتحقيق التوازن الأمني في المنطقة، وعندها ترسّخ عملية تعدد القطبية على مستويات عدة، مع رسم العلاقات الذي يقوم على مراعاة مصالح كل الأطراف دون التبعية لأحد.

رغم ذلك فإنه من المؤكد أن الجانب الأمريكي سيستمر في ممارسة الضغوط على حلفائه لتقييد التعاون التكنولوجي مع الصين، بالإضافة للضغوط التي ستمارس لمنع شراء الأسلحة الصينية التي ستنضم للأسلحة الروسية في منافسة الغرب، كل هذا مرتبط باستمرار مسار التنافس دون التصعيد العسكري المباشر، الذي يمكن أن يضع الدول العربية في موقف اتخاذ قرارات صعبة في القضايا الحسّاسة مثل التكنولوجيا العسكرية وشبكات الاتصالات، التي بات من الضروري الاستعداد لها من الآن، بل بات الأمر يتطلب أن تكون الدول العربية رقماً في المعادلة العالمية بذاتها إلى جانب القوى العالمية التي يسعى كل منها للهيمنة بشكل أو بآخر.

01:07 | 29-10-2025

تركيا.. ما بعد توقيف أوغلو

نراقب كما يراقب العالم المشهد في تركيا، بعد أن عاد أكرم إمام أوغلو للمرة الثانية لصدارة المشهد لأسباب مشابهة لتلك التي جرت في 2022، إذ قضت محكمة تركية بسجنه حينها بتهمة «توجيه إهانات لموظفي القطاع العام»، وذلك خلال كلمة عقب قرار «اللجنة العليا للانتخابات» بإعادة إجراء الانتخابات المحلية في إسطنبول للمرة الثانية في 2019، قائلاً إن الذين ألغوا الانتخابات (الأولى) هم «أغبياء» (حمقى)، الأمر الذي حال دون ترشحه للانتخابات الرئاسية الماضية بسبب الدعاوى القضائية ضده، وتمسك رئيس الحزب كليتشدار أوغلو بخوض الانتخابات.

توقيف أوغلو اليوم بتهم تتعلق بالفساد والإرهاب، (التي نفاها)، تأتي في ظرف مغاير داخلياً وخارجياً، ما يرتقب معه انعكاسات أكبر عن سابقتها في 2022 لعوامل عدة، مع الأخذ في الاعتبار أن احتمالية توسع الاحتجاجات أو ذهابها نحو الفوضى مستبعدة حتى الآن في أقل تقدير.

العامل الأول، يلاحظ في الاحتجاجات الحالية أنها أوسع من حيث النطاق الجغرافي والعدد، لتلك التي جرت في العام 2022 على خلفية الحكم بسجنه أيضاً، وهو ما يرجّح نجاح أوغلو على رأس بلدية إسطنبول التي انتزعها من حزب الرئيس التركي بعد 25 عاماً من البقاء على رأسها، وزيادة شعبيته (أوغلو) بصورة أكبر مما كانت عليه في السابق، وهو ما توضحه الانتخابات الرمزية التي أجراها الحزب في عدد من المدن وإعلانه ترشيح أوغلو للانتخابات الرئاسية المقبلة.

العامل الثاني: يتمثل في الدعوة التي وجهها عبدالله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني في فبراير الماضي لإلقاء السلاح والانخراط في المشهد السياسي، ما يعني تحالف حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، والشريحة الشعبية من الأكراد، حال انخراطهم في الانتخابات مع «الشعب الجمهوري»، إذ تعد العلاقة بينهم أقرب من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأخير رفض التوقيع على إعلان أصدره البرلمان التركي عام 2023 لإدانة الإرهاب (الموجه ضد حزب العمال الكردستاني)، عقب مقتل بعض الجنود الأتراك، فضلاً عن دعوته للحل السياسي لقضية الأكراد أكثر من مرة.

أما العامل الثالث فيرتبط بمساعي تركيا منذ قمة الاتحاد الأوروبي في هلسنكي، ديسمبر 1999، التي حملت من حينها صفة «دولة مرشحة» للانضمام للاتحاد، وتحركاتها المكثفة في السنوات الأخيرة للانضمام، خاصة في ظل التوتر الأوروبي مع واشنطن، وإعلان تركيا استعدادها المساهمة في أي قوة دولية لحفظ السلام في أوكرانيا، والتفاعل التركي الكبير مع القضايا الأمنية الأوروبية كمقابل للانضمام، غير أن الصورة في الشارع قد تدفع نحو التأني من الجانب الأوروبي مع وجود مؤشرات بشأن تراجع أسهم الحزب الحاكم في تركيا.

عامل رابع يتمثل في المحيط الملتهب، والصراع الإقليمي الدولي اتصالاً بالملف السوري، وخشية إسرائيل من نفوذ تركيا في سوريا من جهة، ما يعني وجود الرغبة الخارجية في إزاحة حزب العدالة والتنمية، مع الأخذ في الاعتبار عدم التأثير الكبير في المرحلة الحالية للعامل الخارجي.

أما العامل الأخير فيتمثل في إعادة التوازنات التي ستظهر جيداً في الشارع التركي الفترة المقبلة، ومع توقف الاحتجاجات التي أرى أنها لن تستمر كثيراً، لكنها ستحقق العديد من الأهداف أولها للحزب الذي يمتلك قاعدة شعبية كبيرة في تركيا، مستفيداً من الأزمة الاقتصادية وعدم قدرة الأحزاب التقليدية على الإمساك بمصير الأمور كافة كما كان في السابق، ليذهب بكل ذلك نحو انتخابات مبكرة، أو في أقل تقدير بتحالف كبير بين قوى المعارضة لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، تعيد تشكيل مراكز القوى السياسية في تركيا، وهو احتمال وارد بنسبة كبيرة.

ويمثل أكرم إمام أوغلو، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري المعارض، تهديداً كبيراً للحزب الحاكم حيث يتمتع بشعبية وتفوق على الرئيس باستمرار في استطلاعات الرأي.

وأدانته المحكمة بتهمة إهانة مسؤولي الانتخابات خلال حملته الانتخابية المثيرة للجدل لعام 2019.

يعد القبض على رئيس بلدية إسطنبول عضو حزب الشعب الجمهوري التركي أكرم إمام أوغلو تطوراً لافتاً في المشهد السياسي التركي، إذ جاء في توقيت حسّاس يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الحدث نفسه، ليطرح تساؤلات أوسع حول التوازنات السياسية في البلاد، ومسار العلاقة بين الحكومة والمعارضة، وانعكاسات ذلك على المشهد الداخلي والخارجي.
00:02 | 28-03-2025

ما بين أكتوبر وأكتوبر والدروس المستفادة

حتى لا يفسر القول عن دون مقصده، أعيد التأكيد على أن مقاومة الاحتلال هو فعل مشروع حتى نيل الاستقلال وإقامة الدولة، طبقاً لمبادرة السلام العربية 2002، لكن علينا أن نتوقف عند عدد من النقاط لنحسن قراءة المشهد أملاً في حسن تدبير القادم.

باعتبار أن العدو واحد ومع فارق الإمكانيات بالطبع، لكن ما بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 يمكن الوقوف على عدد من النقاط المفصلية.

في أكتوبر 73 ورغم التدمير الذي طال معدات الجيش المصري في 1967، لكن الاصطفاف والبناء والمقاومة والتحرير، كل هذا جرى تحت راية الدولة الوطنية دون أي انتماءات سوى للدولة، فكان النصر بعد إعداد العدة جيدا والاستعداد ومساندة الدول العربية الشقيقة لجيش ودولة وطنية من أجل استعادة أرضها، ولأن صوت الدولة كان وسيظل واحداً استعيدت طابا في ما بعد بالمفاوضات، وأُجبرت إسرائيل على توقيع اتفاق السلام.

أما في أكتوبر 2023، والحسابات الضيقة لصالح جماعة وأطراف دولية بدت كالمتفرج مؤخراً، كانت النتائج كارثية كما يرى الجميع حجم الدمار والمجازر التي ارتكبها العدو بحق الأطفال والنساء، في ظل موازين قوى غير متكافئة وموقف سياسي غير صحيح بداية من 2007، وانتصار لتيار فكري على حساب الدولة الوطنية رغم أخطاء السلطة الكبيرة أيضاً، كانت الغلبة للعدو والغرب الذي رأى في كون «حماس» هي جماعة تمثل تيارها الفكري ولا تمثل الدولة الفلسطينية حجة لدعم الاحتلال بكل قوة ودون حرج، وتبع ذلك ما شاهدناه في لبنان وكذلك ما يخطط له في سوريا، وحتى الموقف العربي كان مغايراً، لاعتبارات يعرفها الجميع تسببت فيها التيارات المؤدلجة منذ العام 2011، علما بأن المواقف العربية جميعها ثابتة تجاه إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 حزيران 1967.

مع الاعتراف بعدم إمكانية المقارنة بين أكتوبر وأكتوبر لاعتبارات كثيرة، لكن ما أردت استخلاصه هنا، أنه في أكتوبر 73 اصطفت الدول العربية بشكل كبير عسكرياً واقتصادياً، بما في ذلك الجانب الروسي في مساندة مصر الدولة، وهو الدرس الذي استفاد منه العدو لاحقاً، وقرر ألا يواجه الدولة الوطنية في محيطه، بل ساهم في عمليات التقسيم العرقي والطائفي وساعد الغرب في ذلك، ولأن الجماعات والتيارات المؤدلجة والعرقية لها مطامعها الذاتية ساهمت في الانحدار السريع نحو المشهد الذي نراه الآن، وأصبحت الأحزاب والجماعات خارج سياق الدولة الوطنية هي أسباب انهيارها وتفككها.

خلاصة القول إن ما فعلته حماس في 2007 قاد المشهد للحظة الراهنة، وليست عملية أكتوبر 2023، وما عززته المكونات الأخرى في دول عربية أخرى أدى للنتائج الحالية، وما تسعى له بعض المكونات العرقية أو المذهبية في دول جوار الاحتلال يرسم صورة في المستقبل شبيهة بالحاضر.

وعليه أتمنى من القمة العربية المقبلة أن تشدد على رفض كل أشكال الانفصال في المنطقة العربية، وعدم وجود أي رايات سوى راية الدولة الوطنية التي يتاح فيها الحق للجميع لممارسة السياسة والبناء والإعمار واستعادة هيبة الدولة، مع دعم توحيد السلطة في فلسطين من أجل استعادتها.

ولأن السياسة وحسم المواجهات لا اعتبار فيهما لحسن النوايا، فإن الأمور دائماً تحسب بالنتائج، وإن كانت الغاية والنتيجة الأسمى هي إقامة الدولة الفلسطينية فيجب أن تكون تحت راية واحدة، ولا قيمة للتنازل عن السلطة أمام الحفاظ على الشعب والأرض والأمل في استقلال فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.

أخيراً فإن الموقف العربي والتشاور الذي جرى في المملكة العربية السعودية، وموقف مصر والأردن والقمة المرتقبة في القاهرة، كل ذلك يؤكد أن الإجماع على قرار عربي واحد هو فاعل ومؤثر ويصبح أكثر تأثيراً في المستقبل.
17:24 | 27-02-2025

خلط الأوراق.. و«الشرق الأوسط الجديد»

تناولت في المقال السابق تحت عنوان (العرب وارتدادات صراع الشرق والغرب)، العديد من النقاط المرتبطة بـ(الأفول الغربي)، وقد أشرت في عبارة موجزة نصها: «قد يكون من الخطأ اعتبار انحسار الغرب أو تراجع هيمنته يمكن أن يمر دون أحداث كبرى، منها ما يحدث في أوكرانيا وغزة، وما قد يتبعها من أحداث أخرى»، وهو ما يمكن طرحه بتفاصيل أدق في مشهدين حديثين مع استدعاء بعض القديم.

المشهد الأول كان استخدام الولايات المتحدة الفيتو الأمريكي ضد مشروع قرار منح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، والثاني (المنقسم إلى ثلاث) هو تصويت وإقرار مجلس النواب الأمريكي السبت 20 إبريل/‏‏ خطة مساعدات واسعة لصالح إسرائيل وأوكرانيا وتايوان، بحزمة ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية 95 مليار دولار.

قبل الخوض في تفاصيل ما يخص المنطقة بشكل مباشر، فإن ملف تايوان أصبح بمثابة قنبلة مستقبلية، وعلى الرغم من اعتبار الغرب بأن الصين تمثل تهديداً حقيقياً لهم على المستوى البعيد، كان الرهان على أن دمجها في الاقتصاد العالمي قد يحول دون الصدام مرحلياً من خلال انفتاحها السياسي بشكل أكبر على الغرب، والحفاظ على توازن سياستها الخارجية بما يحول دون اصطفافها ضد الغرب، لكن أزمة تايوان توشك أن تضع الغرب في مواجهة مع الصين التي زحفت نحو العمق الأفريقي بشكل أسرع من حسابات الغرب، لتصبح شبيهة بالأزمة الأوكرانية التي أريد لها أن تتواصل.

بالعودة لما يخص الشرق الأوسط فإن التساؤلات المطروحة جميعها يمكن تلخيصها في كلمتين (إدارة الصراع)، بما يحافظ أو يحقق المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المقام الأول والغربي ثانياً، إذ تحفظ الكتلة هيمنة القطب الذي تربطه مصالح عميقة ومتجذرة مع المنطقة لا يمكن الانفكاك عنها بسهولة، وربما أيضاً هي ضرورية للتوازن المستقبلي.

فيما يتعلق بالفيتو الأمريكي ضد عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، فإن واشنطن ربما لا تريد تسوية القضية في الظرف الراهن وما يشهده العالم من تحولات كبرى، إذ يعد الملف من أعمدة الاستراتيجية والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وكانت العديد من توصيات مراكز الأبحاث منذ عهد أوباما تشير إلى ضرورة اتخاذ واشنطن خطوة إيجابية لما للوضع من انعكاسات سلبية على مكانتها، دون أن نتغافل الرؤية الإسرائيلية، وخاصة نتنياهو، التي تستثمر في كل المواقف بما يخدمها أيضاً.

إلى جانب ما سبق، فإن توجس واشنطن من الترتيبات التي تحدث بشأن (تعدد القطبية)، تدفعها نحو إبقاء المنطقة تحت هيمنتها الأمنية التي فرضتها لعقود من خلال الصراع الإسرائيلي العربي من جهة، والإيراني العربي من جهة أخرى، وهو ما يفسره إعادة خلط الأوراق مجدداً، الذي يتصل بروسيا والصين وإيران.

من جهة، حين شعرت واشنطن بأن روسيا والصين تزحفان نحو المنطقة بخطى أسرع وأعمق وكذلك أفريقيا، ذهبت لإشعال الأزمة الأوكرانية، في محاولة لوقف التمدد الروسي والعودة بقيادة بوتين، التي جاءت بنتائج عكسية بالنسبة للغرب، حين أبقى العرب على موقف الحياد من الأزمة.

في خطوة لاحقة، حققت الصين اختراقاً مهماً في المنطقة من خلال الاتفاق الذي وقع في مارس 2023، بين طهران والرياض برعاية بكين، والذي اعتبرته دوائر صنع القرار في الغرب، تحولاً خطيراً في المنطقة وتهديداً لنفوذها بشكل عملي، إذ برهنت الصين بحضورها السياسي في المنطقة بعد أن اكتفت لعقود بالحضور الاقتصادي.

منذ ذلك التاريخ تحركت واشنطن بشكل أكثر فاعلية من أجل الحفاظ على مصالحها في المنطقة، لكنها وجدت الفرصة الأفضل في مشهد (صراع النفوذ) بين إيران وإسرائيل، بعد أكثر من ستة أشهر من الاستثمار في ملف غزة، بالإبقاء على الصراع بين إيران وإسرائيل، ضمن ما يعرف اصطلاحاً بـ(قواعد الاشتباك)، إذ تيقن أن اندلاع مواجهات مباشرة في الوقت الراهن ستكون نتائجها الاقتصادية كارثية لكل الأطراف، في حين أن الإبقاء على المشهد في حالة غليان دون الحرب يضعف المنطقة تدريجياً، ويوقف خطط التنمية الاقتصادية بين المنطقة العربية من جهة والصين وروسيا من جهة، في محاولة لإجهاض «تعدد القطبية».

في استدعاء القديم، فإن فشل السيناريو في 2011، لا يعني عدم التفكير فيه مجدداً، ويمكن اعتبار الراهن هو استدعاء له، مع العودة للحديث عن (الشرق الأوسط الجديد)، مرة أخرى في دوائر صنع القرار، والعديد من العناوين ومراكز الأبحاث.

ارتبط مفهوم (الشرق الأوسط الجديد) بالجنرال الأمريكي إلفرد ماهان عام 1902م، حين أشار إلى أهمية منطقة الخليج العربي على كافة المستويات، وبدأ تداول المصطلح بين الدوائر الاستخباراتية للدول الاستعمارية، التي صبت تركيزها على كيفية الحفاظ على مصالحها في المنطقة تحت راية الهيمنة وفرض ثقافتها وسياستها خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي.

للأسف لم تكن أهمية المنطقة العربية للغرب في مرتبة الشراكة، قديماً أو حديثاً، وربما تؤكد تصريحات الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ونائب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيب بوريل حين قال: «أوروبا حديقةٌ.. بقيّة العالم أدغال»، عدم تغير رؤية الغرب حتى بعد انتهاء الاستعمار بسنوات، وهنا أذكر ما سبقه إليه الروائي هيرمان ميلفيل عام 1812م، حين قال: «نحن رواد العالم وطلائعه..اختارنا الرب، والإنسانية تتطلع إلى سلالتنا وتنتظر منا الكثير، ونحن نشعر في مكنون أنفسنا بالقدر على فعل الكثير، لقد بات لزاماً على الكثير من الأمم أن تحتل المؤخرة»، وكذلك مقولة ثيودور روزفلت (1858- 1919م)، بأن «أمركة العالم مصير أمتنا وقدرها»، الأمر الذي يفسر النظرة التي يتعامل بها الغرب وبالأخص واشنطن مع المنطقة على كافة المستويات. وهو ما رسخ بشكل كبير في عهد بوش الابن الذي وضع المصلحة الأمريكية فوق أي اعتبار اتساقاً مع ما قاله روزفلت: «إن قدرنا هو أمركة العالم»، وهو ما اتضح في السنوات التي حضرت فيها الولايات المتحدة إلى المنطقة، وتنصيبها لبعض القيادات في الدول التي سيطرت عليها، ومحاولة فرض الولاء للعقيدة الأمريكية والتماهي مع إسرائيل، مع العمل على تجريد العالم الإسلامي من هويته وأمركة هويته وثقافته أيضاً، تحت مزاعم نشر الديمقراطية التي تريدها بقياسات خاصة.

منذ عقود تعمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ضمان تفوق إسرائيل عسكرياً واقتصادياً، للحفاظ عليها حليفةً وإدارة الصراع في المنطقة عبرها.

في الأخير، يمكن القول إن أوروبا وكذلك واشنطن مطالبون بإعادة التفكير بمستقبل مصالحهم في الشرق الأوسط وإيجاد تسوية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، للحفاظ على مصالحهم وتحالفاتهم في المنطقة، بدلاً من الذهاب إلى حافة الهاوية وخلط الأوراق مجدداً، التي ستخسر فيها العديد من دول المنطقة الكثير، لكن المؤكد أن الصحوة القادمة لن تكون في صالح الغرب ولا أوروبا في المنطقة حال استمرار هذا النهج.

أيضاً، لا يمكن تغافل ما يسعى له نتنياهو في الاستفادة من تواجد البوارج الأطلسية في المنطقة واقتحام رفح، لتحقيق خطوة ضمن رؤية (إسرائيل الكبرى)، مستغلاً إدارة واشنطن وأوروبا لصراعهم مع الصين وروسيا في المنطقة، وهو السيناريو الذي قد يدفع نحو عدم استقرار كامل ستطال نيرانه أوروبا وحتى الداخل الأمريكي.

كما يمكن القول إن دول الشرق باتت مطالبة بالدفاع عن مصالحها في المنطقة بشكل أكبر، وإظهار القوة للدفاع عن السلم والأمن الدوليين والتنمية، وعدم الاكتفاء بالإدانة والشجب، إذ يمكن للتلويح بالحرب منع اندلاعها.
00:16 | 26-04-2024

العرب وارتدادات صراع الشرق والغرب

بين قديم يتوارى وجديد يولد، مر العالم بمحطات وتحولات كبيرة عبر التاريخ، كانت جلها محل دراسة وقراءة للجيل الصاعد، لكن ما نعيشه في الوقت الراهن من صراع بين الشرق والغرب وتحرك قلب العالم نحو الكتلة الآسيوية، يحيلنا إلى عديد من التساؤلات، في المقدمة منها ما يرتبط بانهيار الغرب؟، وما إن كان يقابله صعود الشرق؟ ودور أو مصير المنطقة العربية المتداخلة بشكل كبير شرقاً وغرباً، والتي باتت المسرح الذي يتشكل على أرضه المشهد الجديد، بعد أن عانت طويلاً من الاستعمار وما تلاه من محاولات تفتيت أدت للمشهد الراهن في العديد من الدول العربية، كما هو الحال في العديد من دول القارة الأفريقية التي ظلت فقيرة بعيدة عن الاستقرار.

الحديث عن «الأفول الغربي» يتطلب دراسة واعية للحاضر، الذي يكمن استيعابه في قراءة متأنية للأمس، وما يتصل بالواقع الذي نشهد فيه «انهياراً أو انحساراً أو تراجعاً» الذي يحيلنا بالضرورة لاستعراض عديد الرؤى والقراءات التي وردت في كتب العديد من الفلاسفة والكتاب حول العالم، والتي يمكننا أن نقرأ من خلالها بعض ملامح هذا التحول وارتداداته على المنطقة العربية، وأفريقيا.

لفترة طويلة ظلت رؤى الفلاسفة حول «انهيار الغرب» محل جدل ونقاش وتشاؤم وصدمة وتشكيك، خاصة أن التقدم والتكنولوجيا والطفرة الكبيرة التي حققها الغرب من تقدم، جعلت الطبقة الحاكمة تتمادى في بسط هيمنتها بطرق شتى، ظناً بأن قيادتها للعالم بعد كل ما تحقق باقية.

ضمن الذين ذهبوا إلى حتمية غروب شمس الغرب، الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي (1821- 1881) الذي أشار إلى أن الحضارة الغربية تتجه نحو انهيار مأساوي.

أيضاً ما تضمنه كتاب «أمريكا بين عصرين» الصادر عام 1970م، للفيلسوف الأمريكي، زبيجنيو بريجنسكي، (28 مارس 1928 - 26 مايو 2017) حول أفول أمريكا كدولة عظمى وبقائها ضمن الدول الكبرى، مشيراً إلى أن احتمالية وقوع ذلك مع انتهاء العقد الثاني أو الثالث الثالث من القرن الحادي والعشرين، وهو ما تؤكده المؤشرات الحالية.

ولعل ما ورد في دراسة أرنولد توينبي، المولود في لندن عام 1889، والتي تتكون من 12 جزءاً تحت اسم (A Study of History)، والذي اعتبر أن الحضارة الغربية في الصورة الأوروبية تعيش أزمة عميقة ولم تتعلم الدرس من سقوط روما، عام 476 عندما انتزع زعيم المرتزقة أودوفاسر من قبيلة البدو الألمان الإمبراطورية الغربية لنفسه، وخلع الإمبراطور الآخر وأحاله إلى التقاعد، وهو مشهد قابل للتكرار خلال الفترات المقبلة في أوروبا، بعد أن تعززت عوامل إضعافها داخلياً وخارجياً بشكل تدريجي.

ضمن الكتب الهامة أيضاً «نشوء وسقوط القوى العظمى: التغير الاقتصادي والنزاع العسكري من 1500 إلى 2000» للمؤرخ البريطاني بول كينيدي (المولود في عام 1945)، وهو واحد من الذين تحدثوا مبكراً عن «أفول القوى الغربية»، إذ صدر كتابه في عام 1987.

وربما من المهم أيضاً الإشارة إلى الفيلسوف الألماني، أوزوالد شبنغلر، الذي جاء في كتابه «انحسار الغرب» أن الحضارات مثل الكائنات الحية تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت، كما تحدث أيضاً عن صعود آسيا، وكان هذا الحديث مبكراً في الفترة ما بين، 1918 و1922.

في المشهد الراهن تؤشر التحولات بأن تراجع الغرب يقابله صعود للكتلة الآسيوية وخاصة الصين والهند وروسيا، في ظل ملامح لم تتبلور لرؤى أو إستراتيجيات جادة في المنطقة العربية وشمال أفريقيا، والتي استقرت فيها القيادة المبدعة منذ بداية التاريخ وحتى نهاية القرن الرابع عشر، وتجلت في مصر والصين والهند.

آنياً، يمكن اعتبار الأزمة الأوكرانية، بمثابة الصخرة الكبيرة التي تدحرجت مخلفة فوضى في شتى الاتجاهات، كما أصبحت معها المنطقة العربية في مركز المشهد، بعد أن اتضحت الرؤية بشكل كامل للعوام أن ما فعله الغرب منذ دعمه احتلال الكويت ودخول العراق، وسوريا في 2011، وما أسس له منذ البداية بـ«وعد بلفور» لم يكن مصادفة، أو نزعات فردية أو من أجل الديمقراطية كما زعم مراراً، بل كان من أجل الإبقاء على الهيمنة، وإضعاف الكتلة العربية، لعدم تأثيرها في الصراع بين الشرق والغرب.

في عبارة مجملة يقول المفكر المغربي حسن أوريد في كتابه «أفول الغرب» إن «الأسوأ ما سيأتي إن لم يستوعب العالم العربي التحول الجاري في العالم»، وهو ما يطرح تساؤلات هامة بشأن الكتلة العربية، ودورها في المرحلة الراهنة، وما إن كانت ستكتفي بدور المركز الذي يدور على أرضه هذا التحول من الغرب للشرق، وحينها ستكون المنطقة أكثر ضعفاً ووهناً، يمكن أن تغيبها لعقود طويلة مقبلة، أو أنها ستستعيد زمام ريادتها كما كانت قبل قرون طويلة.

قد يكون من الخطأ أن انحسار الغرب أو تراجع هيمنته يمكن أن يمر دون أحداث كبرى، منها ما يحدث في أوكرانيا وغزة، وما قد يتبعها من أحداث أخرى، في ظل دعوات الانفصال التي تدفع نحو بعض الدول الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر، وعودة الحركات الإرهابية للمشهد بشكل قوي «أمر وارد»، كذلك تقليب الداخل في بعض الدول التي المتداخلة بشكل قوي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً مع الغرب، وفي ظل نخبة تأسست داخل المدارس الغربية ولم تدرك بعد خطورة القادم، وأهمية وجود كتلة عربية، لا نزعة عربية فردية، فلا يمكن لدولة أو اثنتين أو ثلاث مجاراة ما يحدث دون الكتلة مجتمعة.

ما دون ذلك فإن الانقسام بين المعسكرين الغربي الذي سيظل يمثل «قوة» لفترة أيضاً، دون الهيمنة، والشرقي الذي سيعمل بكل إمكانياته أيضاً لإضعاف الغرب وبالتالي إضعاف الموالين له أو المتحالفين معه، وهو نفس النهج الغربي في المقابل، بما يؤدي إلى المزيد من الضعف الذي قد يتبعه زوال مفهوم «الدولة» في بعض الدول الضعيفة، وتقسيم المعدة لذلك سلفاً، وإشعال الصراعات مع دول أو في داخلها عبر «إسرائيل» القاعدة الغربية الأكبر في المنطقة.

في المجمل يمكن الاستناد إلى ثلاثة عوامل تساعد في مدى سرعة وتيرة «انهيار الغرب».

العامل الأول والذي يتمثل في قوة التنسيق والتقارب بين الكتلة الآسيوية، خاصة على المستوى الاقتصادي، أولاً، والمستوى الأمني ثانياً، في ظل العلاقة بين بعض الدول الأوروبية والجماعات الأيديولوجية التي استخدمت طويلاً في المنطقة العربية.

العامل الثاني يتمثل في «الكتلة العربية»، وحتى الآن تبدو بعيدة عن دور فاصل في هذا التحول حتى لصالحها، نظراً للتباينات وتشابك المصالح الاقتصادية بشكل معقد، لكنها ستظل داخل دائرة هذا الصراع لنفس الأسباب، وربما أن الموقف الغربي من القضية الفلسطينية وما يحدث في غزة وما سبقه من ردة فعل على موقف العرب من الأزمة الأوكرانية، كانت إشارات كافية بضرورة توازن العلاقات وتنويعها في أقل تقدير في الوقت الراهن.

أما العامل الثالث يتعلق بالداخل في الغرب، وهو يتضمن العديد من الجوانب منها ما أسّس له الغرب الذي أقام حضارته على أنقاض حضارات أخرى، وممارسات غير أخلاقية، واختزال الإنسان في بعده المادي، وتحويل البشر إلى آلات، وتراجع الجانب الروحي والثقافي، الذي برزت معه جماعات متطرفاً في العديد من هذه الدول.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأعداد المهولة للمهاجرين غير الشرعيين والجاليات العربية والأفريقية هناك، وهو ما ذهب إليه المؤرخ «أرنولد توينبي» في موسوعته «دراسة التاريخ»، التي أشار فيها إلى أن الحضارة الغربية كانت تتعرض لهجمات البربر من خارجها، وكذلك سقوط روما عام 476 عندما انتزع زعيم المرتزقة أودوفاسر من قبيلة البدو الألمان الإمبراطورية الغربية لنفسه، وهو المشهد الذي يمثله مئات الآلاف من المهاجرين إلى هذه الدول، قد تدفعهم محاولات إعادتهم أو الاضطرابات في أكثر من منطقة إلى تحركات غير مسبوقة.

في الخلاصة يمكن القول إن الرؤى العربية الحالية القائمة على «توازن العلاقات» قد تكون غير كافية، وباتت مطالبة للعمل من أجل أن تتبوأ مكانة فاعلة في المشهد القادم، حتى لا تتحول من شراكة غير متكافئة مع الغرب، إلى نفس المشهد مع الشرق.
00:10 | 12-04-2024

اضطرابات وتداعيات.. «الساحل والصحراء» وشمال أفريقيا

تشهد منطقة الساحل والصحراء توترات متعددة متزايدة تشير إلى تفاقم حجم المخاطر المحتملة هناك وارتداداتها المحتملة على شمال أفريقيا وصولاً لمصر عبر حدودها الغربية مع ليبيا، خاصة بعد أن أفضت الاضطرابات هناك إلى إعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية وطبيعة التحالفات الإقليمية والدولية في المنطقة.

خلال السنوات الأخيرة عرفت منطقة الساحل والصحراء توافد العديد من العناصر الإرهابية الذين كانوا ضمن صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي في العراق وسورية (المحظور دولياً)، وكذلك انضمام عناصر جديدة للحركات هناك، في ظل التنافس الحاصل على مستوى القاعدة و«داعش»، لكن المخاطر التي تشكلها المنطقة تتجاوز تنامي دور الجماعات الإرهابية، لتتضمن أنشطة الاتجار بالبشر وتهريب السلاح الذي بات يشكل مخاطر كبيرة في المنطقة، في ظل العوامل التي طرأت خلال العام 2023، والمتوقعة خلال العام الحالي 2024.

ومن المرتقب أن تشكل منطقة الساحل مصدر قلق كبير، خاصة أن إحصاءات العام الماضي تشير إلى مقتل قرابة 4 آلاف شخص في أفريقيا بسبب الهجمات الإرهابية، أدت إلى زيادة قدّرت بنحو 19% مقارنة بالعام 2022، كما شكلت الأعمال الإرهابية نحو 50% من العمليات، والأنشطة غير القانونية والشرعية على مستوى العالم، يتوقع زيادتها خلال السنوات المقبلة.

وتضم المنطقة الجماعات الإرهابية «بوكو حرام»، و«جماعة أنصار الدين» وتعد أكبر الجماعات المتطرفة في إقليم أزواد، جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» والتي تضم جماعة «أنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا وتنظيم المرابطون وجناح الصحراء»، تنشط في منطقة الساحل والصحراء، ويقودها إياد أغ غالي، القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بالإضافة لجماعة «الجهاد والتوحيد»، وتنظيم «داعش في الصحراء الكبرى».

من خلال قراءة المؤشرات الحالية في المنطقة، فإن العديد من العوامل تؤكد تفاقم المخاطر خلال 2024 والأعوام المقبلة، وكذلك ارتداداتها على شمال أفريقيا التي باتت في حاجة لتنسيق أمني أكبر مما هو عليه الآن، لمواجهة ارتدادات المخاطر القائمة.

في منطقة الساحل، يمكن اعتبار العديد من موجة الانقلابات العسكرية التي وقعت مؤخراً هناك، وشملت ثماني دول في نحو 3 سنوات منها مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا والغابون، بمثابة عدوى للدول المجاورة والتي يتوقع تزايدها العام 2024، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الخروج من العباءة الفرنسية والتأييد الشعبي الكبير لهذه الخطوة يمثل فرصة أمام التيارات التي تطمح في تصدر المشهد والاستيلاء على السلطة هناك.

كما يمكن اعتبار ظهور جيل جديد من القادة الشعبويين الشباب في القارة الأفريقية، أحد أهم العوامل التي تؤسس لمرحلة مغايرة في المنطقة، خاصة في ظل غياب التنمية الحقيقية وتركيز الاستثمارات لفائدة الأحزاب والفئات الموالية للدول الأوروبية، وعدم نجاح آليات معالجة التطرف العنيف في خلق واقع مستقر ومستدام.

عامل ثالث يتمثل في التنافس الدولي من أجل ملء الفراغ العسكري والأمني هناك، وكذلك مواجهة الجماعات الإرهابية، وهو ما سيخلق ولاءات متعددة في المنطقة وربما في الدولة الواحدة.

انطلاقاً مما سبق يمكن القول إن العديد من الدول مهددة خلال الفترة المقبلة بانقلابات جديدة أو حالة عدم استقرار، خاصة التي فشلت فيها محاولات سابقة ومنها «غينيا بيساو وغامبيا وجزيرتا ساو تومي وبرينسيبي» والعديد من الدول الأخرى التي تزيد المخاطر فيها في ظل استمرار العوامل المشجعة.

كل ما سبق يمكن التنبؤ معه بموجات هجرة غير شرعية وغير مسبوقة من المنطقة، وهو ما تفسره تحركات الاتحاد الأوروبي مؤخراً وتوقيعها معاهدات مع تونس ومصر وسعيها لمعاهدات مشابهة مع المغرب، بعد 7 سنوات من اتفاقات وآليات تعاون مع ليبيا لاعتراض اللاجئين والمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط. وقد بلغ عدد الذين تم اعتراضهم في البحر، وأعيدوا إلى ليبيا في السنوات السبع الماضية، ما يربو على 82000 شخص حتى 2022 فقط، والذين يعشيون في ظروف قاسية يعانون فيها من التعذيب والاغتصاب والقتل في بعض الحالات، إضافة لتجاوزات خطيرة.

من خلال الوضع في ليبيا يمكن التأكيد بأن المقاربة الأمنية التي تعتمدها أوروبا في معالجة أزمة الهجرة غير الشرعية من خلال إعادتهم للدول التي قدموا منها سواء كانت تونس أو ليبيا أو المغرب باعتبارها بلدان عبور، فإن الخطوة ستشكل أزمات متزايدة للبلدان الثلاث على المستوى الأمني في المقام الأول، بالإضافة للأعباء الاقتصادية والغذائية وجوانب أخرى، لا يمكن لهذه الدول تحملها في السنوات المقبلة، في حين أن المقاربة الأنجع هي اعتماد التنمية والاستثمار في البلدان الأفريقية لتكون التنمية هي حائط الصد الأول أمام هروب مئات الآلاف من الجوع والفقر والقتل.

وفق جل المؤشرات السابقة، فإن منطقة شمال أفريقيا باتت مهددة بشكل كبير، نظراً لضعف التنسيق الأمني من عدة جهات، وبقاء بعض الساحات مفتوحة على المخاطر وفي المقدمة منها ليبيا التي تعاني الانقسام منذ 2011، والانسداد الذي يعانيه المسار السياسي، فوفق تقرير أممي في 15 فبراير 2023 فإن حالة الفوضى التي غرقت فيها ليبيا منذ 2011 أدت إلى تدفق الأسلحة من الدولة الواقعة في شمال القارة إلى دول الساحل الواقعة جنوبها وانتقال الجماعات المتطرفة إلى دول شمال غرب أفريقيا، فضلاً عن الأزمة السودانية التي وصلت تداعياتها لتشاد التي تعاني بالأساس من وضع اقتصادي متأزم، فاقمه وصول عشرات الآلاف من السودان.

في الختام، يمكن القول إن المخاطر القادمة من منطقة الساحل والصحراء لا يمكن منعها في الوقت الراهن نظراً لبقاء العوامل وتناميها مستقبلاً، فيما تظل بعض العوامل في منطقة شمال أفريقيا تثير التخوفات بشأن مدى نفاذ التداعيات للمنطقة.

في المقدمة منها ضعف التنسيق الأمني بين دول المنطقة، والذي يرسمه التباين بين دول المنطقة خاصة في الساحة الليبية.

العامل الثاني يتمثل في ارتفاع المؤشرات في ليبيا بشأن صدام عسكري محتمل، بعد فشل المسارات السياسية التي عملت عليها الأمم المتحدة طوال السنوات الماضية.

العامل الثالث يتمثل في الحضور الإيراني من جهة والإسرائيلي من جهة أخرى، إضافة لحضور القوى الكبرى في المنطقة، بما يجعل منها ساحة للتنافس على كافة المستويات، بما يدفع نحو فاتورة باهظة حال المضي قدما في مسار التباين وصولاً إلى الانقسام والتشرذم في المنطقة.

إجمالا يمكن اعتبار المؤشرات السابقة بمثابة جرس إنذار، بما يستدعي الحيطة واتخاذ التدابير اللازمة لتفادي مسارات أسوأ في وقعها من الحالية على المنطقة المؤهلة بقوة لتكون ساحة صراع عنيف في المستقبل.
00:14 | 5-04-2024

نواكشوط.. الحلقة الأخيرة في توازن الاتحاد المغاربي

تشهد منطقة الاتحاد المغاربي تحركات سياسية غير مسبوقة، وأمنية غير معلنة، في ظل إعادة ترتيب الأوراق والتحولات الحاصلة عالمياً وإقليمياً، والسباق باتجاه العمق الأفريقي بعد الخروج الفرنسي من هناك.

دون شك فإن فرنسا لن تسلم بهذه الهزيمة التاريخية وستعمل جاهدة على إبقاء المنطقة بالكامل في حالة اشتعال كبير، تسخّر فيها جميع أوراقها في الدول التي خرجت منها أو التي تربطها معها علاقة حالية، والتي لم تتخلص بعد من مفهوم الاستعمار والوصاية.

أحد أبرز عناوين المنطقة، هي الخلافات بين المغرب والجزائر وهي ذاتها القائمة منذ سنوات، غير أن بعض المستجدات الراهنة تهم موريتانيا التي ترى في وجودها ضمن الاتحاد المغاربي حماية لهويتها العربية، في ظل اضطرابات تخشاها في محيطها الإقليمي جنوباً وشرقاً في علاقاتها مع دول غرب أفريقيا وشمالاً في علاقات الجوار المغاربي، خاصة أن ناتجها المحلي يناهز 9,715 مليار دولار، ما يحتم عليها الكثير من التأني في قراراتها.

في المشهد الراهن تبرز العديد من الأسئلة بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه موريتانيا في منطقة الاتحاد المغاربي في ظل أزمة ليبيا والوضع التونسي، واتجاه الأنظار صوب نواكشوط لعوامل عدة، يمكن معها لعب الدور الأبرز في الحفاظ على توازن المنطقة، بحيث لا تذهب لأبعد مما هي عليه الآن، وهو ما يمكن قراءته بشكل أوضح من موقف الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزاوي، الذي اختار منطقة الحياد من التكتل الذي يضم ثلاث دول من أعضاء الاتحاد المغاربي هي الجزائر وتونس وليبيا، الذي تشكل خلال قمة منتدى الدول المصدرة للغاز الأخيرة في الجزائر مطلع مارس 2024، والذي يظل محل ترقب بشأن الخطوات اللاحقة التي تترتب على اللقاء المرتقب في تونس عقب عيد الفطر.

تاريخياً فإن العلاقات الموريتانية مع كل من الدولتين مرت بتقلبات وقطيعة مع كل منهما في فترات مختلفة، وظلت محل ترقب ونقد من كل منهما في علاقتها مع الآخر، واتهامات غير رسمية في بعض الأحيان بالانحياز لهذا أو ذاك، لكن نواكشوط تمسّكت بالحد الأدنى ربما الذي يحافظ على علاقتها بجميع دول الاتحاد ربما لحسابات مستقبلية، نظراً لضعف اقتصادها وعدم قدرتها ربما على تحمل فاتورة الاصطفاف، أو رغبة منها في استقرار إقليمي أكبر، في ظل التوترات المستمرة على الحدود الأخرى، جميعها عوامل لها مؤشراتها ومنطقيتها.

ظلت موريتانيا طيلة عقود على هامش الأحداث، فيما تحمل الأوضاع الراهنة مؤشرات على دور متنام لهذا البلد، استناداً إلى الثروات المكتشفة والموقع الجغرافي الذي يكسبها ميزة مع التحولات الحاصلة إقليميا.

في مذكرات الرئيس الراحل مختار ولد داداه بعنوان «موريتانيا في مواجهة العواصف والأمواج»، تحدث تفصيلا عن الوساطة بين القيادتين المغربية والجزائرية، وكيف تحولت علاقات بلاده الحذرة والمتوازنة مع الجارتين الكبيرتين في منتصف السبعينات إلى علاقة تحالف مع المغرب ثم حالة عداء مع الجزائر، ثم عادت مرة أخرى وتوترت في العام 2015، بعد تبادل طرد دبلوماسيين، لكنها عادت في الوقت الراهن لمستويات متقدمة مع الجزائر من بوابة الاقتصاد.

بالنظر للعلاقات الاقتصادية بين موريتانيا ودول الاتحاد المغاربي فهي متواضعة، إذ تناهز 414 مليون دولار مع الجزائر، وأكثر من 300 مليون دولار مع المغرب، أما مع تونس فهي أقل من 100 مليون دولار، فيما يراوح حجم التبادل بين موريتانيا وليبيا نحو 450 ألف دولار، وفق مصرف ليبيا المركزي.

وتمتلك موريتانيا ثروة سمكية هائلة تقدر طاقة تصديرها السنوية بـ1.8 مليون طن، وفق أحدث الإحصائيات في وكالة «ترقية الاستثمارات» في نواكشوط، لم تتجاوز نسبة التصدير 1.2 مليون طن، كما تتوفر على احتياطات تقدر بـ400 مليون برميل من النفط، و100 تريليون قدم مكعب من الغاز، فضلا عن استراتيجيتها في مجال الطاقة وإنتاج الغاز المسال وكذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر، وسعيها لتكون ضمن اللاعبين في المنطقة، خاصة بعد انضمامها لمنتدى الدول المصدرة للغاز.

في المجمل فإن التموقع الذي اختارته موريتانيا لنفسها منذ سنوات وحفاظها على علاقات مع الدول المغاربية يؤهلها للاستفادة من هذه العلاقات عبر الثروات الجديدة المكتشفة، وكذلك من الاستثمارات التي قد تحظى بها في قطاع الطاقة، في ظل موقعها الجغرافي الذي يجعلها بوابة نحو دول غرب أفريقيا، ولعب الدور الإيجابي لعدم انهيار الاتحاد بشكل كامل وفتح الباب لسيناريوهات وتدخلات أجنبية أكبر مما هي عليه قد تشعل المنطقة.

في الإطار لا يمكن تجاهل ما أعلنه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في ديسمبر 2021، حيث أكد رغبة نواكشوط في تعزيز «اللحمة المغاربية»، وهو ما قرأه بعض الخبراء على أنه رسالة غير مباشرة من أجل التوسط بين البلدين المغاربيين في ما يتعلق بالقضايا الخلافية، الأمر الذي يؤكد تموقع موريتانيا بما يحافظ على توازن المنطقة في محاولة لإعادة العمل لاتحاد المغرب العربي، الذي يمكن أن يكون أكثر فاعلية بانضمام دولة جديدة بحجم مصر، وما يمكن أن تقوم به في إطار الاستقرار بالمنطقة.
00:03 | 22-03-2024

ليبيا.. عود ثقاب مشتعل فى بئر نفط

مشهد متكرر ضمن حلقة صراع ودوامة لا جديد فيها سوى تغيير بعض الوجوه التي تلعب الأدوار نفسها لسيناريوهات معدة سلفاً للإبقاء على البلد العربي رهينة الأجندة الغربية التي تتحكم في مسار الصراع وتديره وفقاً لما يحقق لها مصالحها على دماء الشعب الليبي.

المواجهات العسكرية التي جرت في العاصمة طرابلس في السابع والعشرين من أغسطس 2020، هي جولة أولى من حرب أوسع وأشرس تنطلق خلال أيام أو أسابيع أو أشهر؛ لأن النتيجة الحتمية لما حدث هي مواجهة أكبر محتملة، بعد أن اتخذ رئيس الحكومة الليبية المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة خطوات من شأنها استئصال أي وجود لقوات أخرى ليست بالهينة واعتادت التواجد في العاصمة والسيطرة على جزء من المشهد المقسم بين كتائب وقوى أمنية ومليشيات في العاصمة طرابلس، ولن تفرط في هذه المكتسبات التي اعتادتها لسنوات.

الحاضنة الشعبية في الغرب نفسها مقسمة ما بين تأييد باشاغا وتأييد الدبيبة، وأخرى تريد الخلاص من المشهد القاتم عبر انتخابات لن يحققها استمرار الدبيبة وحكومته، ولا ضمان حتى لتحقيق ذلك حال دخول باشاغا للعاصمة، فجميع الوعود تتبخر على كرسي الحكم في ليبيا، في ظل عدم وجود ظهير عسكري موحد قادر على إحكام السيطرة الأمنية على البلاد للدفع بالعملية السياسية للأمام.

الحرب في العاصمة ليست بجديدة على سكانها الذين اعتادوا الموت والدمار والتصفية في وضح النهار منذ سنوات، لكن الأخطر هذه المرة أن الدبيبة بدأ في تمكين الجماعات المؤدلجة بمن فيهم الإخوان والمقاتلة من مفاصل الدولة وعلى مستوى إحكام السيطرة المسلحة، بعد لقاءات جمعته مع أطراف دولية أخرى أوعزت له بأن ضمان البقاء في الاحتماء بهذه التيارات المتشددة، وهو ما يعني أن العاصمة طرابلس تشهد تحولات تدريجية خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد عودة عبدالحكيم بلحاج زعيم الجماعة الليبية المقاتلة إلى طرابلس، ومن المؤكد أن عودته ليست مجانية أو بلا هدف.

أزمة رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة هي نفسها أزمة فايز السراج رئيس حكومة الوفاق السابقة، ومن قبله المؤتمر الوطني العام، أزمة التمسك بالسلطة في ظل ثروة طائلة تجنيها ليبيا من بترولها الذي تحول لنقمة على سكانها، فالجميع يعد بالديمقراطية لكن بما يخدم مصالحه وتياره دون الاكتراث للعواقب على الدولة وشعبها، وهو ما يلاحظ في تكرار نغمة الانتخابات على لسان الدبيبة ووزرائه، وهي مغازلة لن يتحقق منها أي شيء سوى إطالة فترة الحكومة في المشهد، في حين أن المليشيات التي يمولها من مال الشعب هي من حالت دون إجراء الانتخابات.

المؤكد في المشهد الليبي الحالي أن مشروع الإسلام السياسي الذي فشل في مصر وتونس والمغرب والعديد من الدول يجرى إعادته للواجهة مرة أخرى عبر الدبيبة ولندن على وجه الخصوص، وهنا قدم الدبيبة مصلحته الشخصية على مصلحة شعب، في مقابل تمكين التيار الذي يعمل على الاستفادة منه للحظة الأخيرة والإطاحة به بعد أن يبسطوا سيطرتهم على المشهد عبر شخصيات أخرى قد لا تكون ضمن القيادات المعلنة لكنها تدين بالولاء.

أزمة التداول السلمي للسلطة تعيشها ليبيا منذ سنوات طويلة ليست محلية فقط، فجميع الحلول التي طرحت عبر الأمم المتحدة واللقاءات الدولية لم تكن تهدف للحل الشامل للأزمة بل للمعالجة المرحلية وخفض وتيرة الصراع وتأجيله لوقت آخر، في حين أن المبادرات العربية وما سعت له القاهرة كانت تهدف لحل الأزمة بشكل جاد قوبلت بعرقلة من أطراف إقليمية ودولية.

الإبقاء على الأزمة الليبية دون حل يضمن استمرار الهيمنة الغربية واستنزاف موارد الدولة، والإبقاء على نقطة صراع في المنطقة تستخدم في الوقت والزمان الذي يناسب أهداف الغرب.

إذن، ما الحل؟؟

دائماً ما يطرح السؤال بهذه الصيغة، لكن الأزمة الحقيقة هي في كيفية تنفيذ الحل، الجميع يعلم الحل الأمثل الذي يبدأ بتوحيد المؤسسات الأمنية وحل المليشيات وسحب الأسلحة، وبعدها يمكن الحديث عن إجراء انتخابات أو تداول سلمي للسلطة، لكن البحث عن حل في ظل هذا الوضع الأمني وانتشار السلاح هو أشبه بالحرث في الماء ودوران الساقية في نهر جاف.

الخلاصة أن الأزمة الليبية الآن تعقدت بقدر أكبر مما كانت عليه، خاصة في ظل استمرار الأزمة الأوكرانية، والتحرش الأمريكي بالصين في تايوان، والمواقف العربية من الغرب، ما يعني أن أوروبا تبقي على الساحة الليبية لاستخدامها ورقةَ ضغطٍ ضد الدول العربية التي اتخذت موقف الحياد من الأزمة العالمية فيما كانت تسعى واشنطن وأوروبا لغير ذلك.
23:23 | 30-08-2022