كل عام وأنتم بخير، أعاده الله على الأمة وهي تتغير نحو الأفضل بعزم أبنائها. تذكرنا بالأمس مأساة سيدنا إبراهيم، عليه السلام، مع رؤياه الموحية بذبح ابنه، وكيف أن ذات الموحي سبحانه فداه بذبح عظيم، والد يقبل ذبح ابنه مرضاة لله، ورب كريم يقدر الطاعة فيهب العفو ويسن الفداء. ولم يكن هذا أول امتحان لإبراهيم، عليه السلام، طلب منه سابقا أن يترك ابنه الرضيع بواد غير ذي زرع مع أم لا حول لها ولا قوة، فلما سألت ألله أمرك بهذا؟ قال نعم فأجابت واثقة فإنه لا يضيعنا. الله سبحانه يمتحن حتى الأنبياء فما بالكم ببشر عاديين، ليس امتحانا بفقر أو غنى، سعادة أو تعاسة، صحة أم مرض، بل أيضا امتحان في فلذة كبد وفي والد وما ولد، وإن أحدنا لا يكاد يصبر على نقص في المال أو الصحة أو الولد.
إذا كانت التضحية قد بدلت لأضحية، وما أغلى تلك وما أهون هذه، فليست الأضحية هنا مجرد شراء وذبح كبش، ولا مجرد تصديق رؤيا في وسن، هي اختبار حقيقي، وإن كان رمزيا في حالتنا، لمدى قدرتنا وصدقنا على التضحية بما هو أثمن وأغلى، هي، إن شئت، اختبار للنوايا التي محلها القلب ولا يعلمها إلا الرب سبحانه. تتبارى هنا الأثمان وتغلى، وتتباين النيات الحقة على التضحية بالمعاصي في سبيل مرضاة الله، ترك الشهوات والرغبات امتثالا لأوامر الله، النية الحقة للعزم بأفعال تقرب إلى الله، بيد أن نيات وأفعالا كهذه لا تشتريها بثمن ذبح شاة أو بعير، بل تنويها تطوعا واختيارا تغييرا لنمط حياة اعتدت عليه، لأنه في التحليل النهائي، لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، النية الصادقة هي البداية والفعل الجاد هو النهاية والتغيير للأفضل هو الغاية.
يمكننا تمثل التضحية والأضحية في مسالك حياتنا، نحن نضحي لأجل أبنائنا ونقبل أن نقتل دفاعا عنهم، فإن لم يحدث فبتقديم كل ما يلزم مالا ووقتا وجهدا لأجل راحتهم، وهذه أضحيات، نضحى لأجل الوطن وقد نموت في الذود عنه، فإن لم نكن بالجندية نضحي بكل غال ورخيص في سبيله، وهذه أضحيات، ذات الأمر مع الأسرة والأصدقاء، هذا ما سنه الله سبحانه لنا على يد إبراهيم -عليه السلام- كرمز ومثال. وللتضحية والأضحية مردودان عظيمان على النفس واطمئنانها لا يشعر به إلا الأوفياء المحبون للدين والوطن والأسرة والمجتمع والإنسان عموما، من يعتبرون الآخرين إما إخوانا لهم في الدين أو شركاء في الإنسانية.
التضحية والأضحية
4 أكتوبر 2014 - 23:41
|
آخر تحديث 4 أكتوبر 2014 - 23:41
تابع قناة عكاظ على الواتساب
