اذا سلمنا بأن الموضة والصرخات العصرية غزت كل شيء في حياتنا فهل يخضع لها الزواج ليصبح موضة يشكلها العصر ويصنعها التطور؟
انواع الزيجات المعاصرة كثرت الى درجة صعوبة التفريق بينها وبين بعض الكماليات الاخرى فمن المسيار الى زواج الفريند الى الزواج بنية الطلاق الى الزواج العرفي الى زواج الكاسيت الى غير ذلك مما اختلف عليه العلماء حول الاباحة والتحريم والمنع والاذن. الزواج بدون ولي احد انواع الزيجات المعروفة في تاريخ الفقه الاسلامي والمجتمع المسلم ولكنه اخذ في هذه الآونة حيزا من الاهتمام وبدا في نظر بعض المانعين له احد الموضات المستحدثة من قبل الشباب للهروب من سلطة الولي الذي يراه هؤلاء عائقا امام نفاذه، فهو باختصار عقد بين متزوجين بدون ولي للمرأة مع اكمال سائر الشروط من الايجاب والقبول والمهر والشهود واهلية الزوجين.
ما حكم هذا الزواج؟
وما حكم من تزوجت بدون اذن وليها؟
ما هو مصير الولد وما الاجراءات القانونية نحوه؟
اليست المرأة البالغة كالرجل في التكليف والاختيار؟
واذا كانت الحكمة من المنع هي الخوف على مصير المرأة ألا يمكن وضع ضمانات تحفظ حقوقها؟
ولماذا تلجأ بعض الفتيات الى مثل هذا الزواج هل هو هروب من تعنت الاب ام هروب الى المجهول؟
هذه التساؤلات نطرحها على عدد من المتخصصين في الشريعة والقانون، ونستخلص منها بعض الرؤى للمجامع الفقهية والعلمية.
يرى الاستاذ محمد بن ناصر الشريف المحامي والمستشار القانوني بأنه يجب النظر في اصل هذه العلاقة التي تنشأ بين الطرفين اللذين يرتبطان بعلاقة زواج بدون وجود الولي، وبتتبع اقوال العلماء في هذه المسألة كما يرى الشريف نكاد نجد ان هناك اجماعا بين اهل العلم على ان الزواج الذي يتم دون اكتمال الاركان والشروط المعتبرة شرعا ليس بزواج اصلا وان سمي زواجا، وبناء على ذلك فقد اجمعوا على انه لايحل لرجل ان يتزوج امرأة من غير اذن وليها بكرا كانت ام ثيبا وذلك قول جمهور العلماء منهم الشافعي ومالك واحمد وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى (فلاتعضلوهن ان ينكحن ازواجهن) وقوله تعالى (ولاتنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) وقوله (وأنكحوا الأيامى منكم) ووجه الدلالة من هذه الايات واضح في اشتراط الولي في النكاح حيث خاطبه الله تعالى بعقد نكاح موليته، ولو كان الامر لها دونه لما احتيج لمخاطبة، وقد اكدت السنة المطهرة على ذلك حيث قال عليه الصلاة والسلام (لانكاح الا بولي) وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ايما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها).
وعن الرأي المقابل للتحريم وهو اباحة مثل هذا الزواج يتساءل الدكتور مجدي سرور باسلوم: هل اذن الولي شرط في صحة زواج المرأة العاقلة البالغة ام ليس شرطا ويجيب قائلا: ذهب الامام ابو حنيفة وابو يوسف في ظاهر الرواية الى ان العقد صحيح بدون اذن الولي سواء كانت المرأة بكرا ام ثيبا، لان الولاية عندهم على البالغة العاقلة هي ولاية استحباب، فلاتتوقف صحة العقد معها على رضا الولي فالعقد بدون اذنه ورضاه صحيح نافذ وهو لازم على الاولياء ايضا متى كان المهر مهر المثل وكان الزوج كفؤا واذا كان المهر اقل من مهر المثل او كان الزوج غير كفء فالعقد لايلزم الاولياء الا اذا رضوا به اوسكتوا حتى ولدت المرأة او كان بها حمل ظاهر وروى الحسن عن ابي حنيفة انه في حالة تزوج المرأة بغير الكفء يكون العقد باطلا من اول الامر وهذه الرواية هي التي اختيرت للفتوى.
ويوضح الدكتور باسلوم ادلة الامام ابي حنيفة قائلا: وقد استدل ابو حنيفة بقوله تعالى: (فلاتعضلوهن ان ينكحن ازواجهن اذا تراضوا بينهم بالمعروف) على جواز النكاح اذا عقدت على نفسها:
1- اضافة العقد اليها من غير شروط اذن الولي.
2- نهيه عن العضل اذا تراضى الزوجان.
ونظير هذه الاية في جواز النكاح بمباشرة النساء اياه قوله تعالى: (فلاتحل له حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلاجناح عليهما ان يتراجعا) اضاف عقد النكاح اليها ونسب التراجع لهما. ومن جهة السنة حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس للولي مع الثيب امر) وهذا بسند صحيح وقوله (الايم احق بنفسها من وليها) يمنع ان يكون له الحق في منعها العقد على نفسها فدل ذلك كله على ان للمرأة مباشرة النكاح بنفسها غاية ما يثبت به كراهة حضور مجلس الإملاك وان تتولى امر النكاح بنفسها لكونه دالا على الجرأة والوقاحة وعدم الحياء ولكن لايدل على نفي ولايتها على نفسها او على غيرها سواء وكلت احدا من الرجال وهو الاولى او لم توكل. ولايرى الدكتور باسلوم فرقا بين البكر والثيب في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الايم احق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صمتها) فالجملة الاولى ان الحق للثيب في تزويج نفسها فان حكم البكر يستفاد من الجملة الثانية من الحديث فهي تأمر باستئمار البكر واخذ رأيها في زواجها ولم تجعل للولي حقا معها ولا مع الثيب الا من باب ولاية الاستحباب. ومن ناحية الاحاديث الواردة في اشتراط الولي في الزواج يذكر الدكتور باسلوم ان الاحناف ردوا هذه الاحاديث لاضطراب في بعضها وضعف بعضها الآخر وذكر بأن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روي عنها حديث اشتراط الولي خالفت هذا الحديث المروي عنها وزوجت حفصة بنت اخيها عبدالرحمن بن ابي بكر رضي الله عنهما وكان غائبا فلما حضر غضب لذلك وقال: امثلي يصنع به هذا؟ ثم لم ينقل ان ابطل العقد لوقوعه بدون حضوره او اذنه.
وثبت ان علياً رضي الله عنه اجاز نكاح امرأة زوجتها امها برضاها.
اما ماهي الاجراءات التي يجب ان تتخذ في نظر المشترطين للولي اذا تم الزواج بدون الولي فيقول المستشار الشريف: مادام العقد باطلا فانه يترتب عليه بطلان جميع الاجراءات التي تمت بناء عليه ويلزم الطرفين التوبة الى الله بتصحيح العقد بينهما بوجود الولي في موافقته وان رفض الولي ذلك فان الشرع قد وضع تدرجا للاولياء وان لم يكن فان للقاضي الحق في ان يعقد لهما. ومن ناحية الاولاد الذين ولدوا في هذا الزواج فهم اولاد شرعيون كما يرى الشريف ويعيد التقدير في اعتبار الولد والتجريم للزوجين الى القضاء لان كل حادثة تختلف عن الاخرى.
فيما يرى الدكتور محمد المختار الشنقيطي امام مسجد الامير تركي بجدة ان (اي نكاح فقد احد اركانه يكون نكاحا باطلا وحكمه ان يفسخ ويعاد النكاح من جديد ولايترتب عليه شيء والولد يلحق بأبيه وهذا النكاح الباطل ينفي حد الزنا).
ولكن السؤال المطروح باهتمام: ما الذي يضطر الفتاة الى تجاوز وليها وعقد قرانها بدون اذنه برغم اهمية حضوره لهذا المشروع المصيري في حياتها؟ زيادة على ذلك فهو اب له مكانته واحترامه وحقه باعتباره المربي والمنفق والمسؤول وصاحب اليد العليا عليها.
وبسؤالنا لعدد من الفتيات قالت عبير (طالبة) انا لا اوافق على مثل هذا الزواج ولكن عندما تحس الفتاة بأن عمرها يتناقص وتتقدم نحو العنوسة بسبب تعنت والدها في تزويجها برغم كثرة المتقدمين لخطبتها لانه يطمع في راتبها او يسعى الى المغالاة في مهرها او الاضرار بها فمن حق الفتاة ان تقبل بمثل هذا الزواج لانها هي من سيعاني من العنوسة وعذاب الوحدة فيما بعد. كما ابدت سامية سببا اخر وهو اجبارها على الزواج بمن لاترضاه او بمن يكبرها في السن او لاتناسبها صفاته الاخلاقية او الخلقية فتهرب الى كنف من ينقذها.
من جانبها قالت الاستاذة مها انا ارى ان الفتاة اذا احبت شخصا وارادت ان ترتبط به بالحلال ووقف اهلها في وجهها بدون اسباب مقنعة ان تتزوج بدون اذن اهلها لان الفتاة من حقها ان تختار طريقها في الحياة وان تتحمل النتائج افضل من ان تحملها اهلها.
العلماء انقسموا حول صحة العقد
الزواج دون إذن الولي .. ممارسة شرعية أم هروب من التسلط الاجتماعي؟
14 مارس 2007 - 19:52
|
آخر تحديث 14 مارس 2007 - 19:52
الزواج دون إذن الولي .. ممارسة شرعية أم هروب من التسلط الاجتماعي؟
تابع قناة عكاظ على الواتساب
طارق الحسين (جدة)

