تمر الدول العربية المحيطة بالعراق بمأزق تاريخي فريد من نوعه في علاقاتها مع القوى المتصارعة على الساحة العراقية، فهي تطمح إلى تحقيق الاستقرار في العراق كخطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة مما يعني ضرورة أن تتعاون مع التركيبة العراقية القائمة تحت مظلة الاحتلال الأجنبي وتساندها لبسط نفوذها على البلاد وتحقيق الأمن المنشود للجميع، ولكن المعضلة هنا تكمن في أن من يساند التركيبة السياسية الحاكمة حالياً في بغداد قد يجد نفسه في موقف المساند لتقسيم العراق على أسس طائفية حيث يبدو الدفع بقوّة نحو تسريع العمل بقانون الفدرالية الذي مرر بعجل يوم الجمعة الماضي في البرلمان العراقي بأغلبية ضئيلة (متمردة) من قائمة حركة الوفاق الوطني التي يرأسها إياد علاّوي الذي أبدى استغرابه، سواء أكان صادقاً أم كاذباً، من انشقاق ثمانية من أعضاء قائمته ومخالفتهم لاتفاق مسبق بعدم حضور الجلسة بحضورها والتصويت بخلاف رأيه ورأي الأغلبية في قائمته، مما يمكن أن يعطي دلالة واضحة على أن التكتلات السياسية العراقية القائمة ليست تكتلات مبدئية أو عقائدية ثابتة ذات زعامات قوية مؤثرة ولكنها تكتلات مصلحية مصنوعة على عين الاحتلال لتلتقي وتختلف بحسب مقتضيات مصالح أطرافها وإملاءات أسيادها ولا يمكن بالتالي التعويل عليها في اتخاذ أية مواقف مبدئية يمكن الاعتداد بها. ومن ناحية أخرى فقد تم التشويه المتعمد للمقاومة العراقية والتعتيم على حقيقتها بدس عناصر أجنبية ومحلية مرتزقة تتلقى تمويلها وأوامرها من الموساد الإسرائيلي وغيره من الأجهزة السرية التابعة للتحالف المحتل وغيرها من الدول ذات المصلحة لإشاعة القتل الطائفي والولوغ في دم العراقيين مع العمل على منع المقاومة العراقية الوطنية الشريفة الحقيقية من الظهور الإعلامي ووسمها بالإرهاب حتى أصبح من يحاول أن يمد يد المساعدة لها في حكم من يساند تنظيمات القاعدة والتنظيمات الجهادية التي تختلف حساباتها أيضاً عن حسابات الدول المحيطة بالعراق خاصة أنها تعمل أيضاً من منطلقات طائفية وتعلن عن إنشاء دولة إسلامية على ثمان محافظات عراقية من ضمنها بغداد مما يزيد في تعميق حجم المأساة.
وبين هذا وذاك تتوارى قوّات الاحتلال الأمريكي/ البريطاني في خلفية المشهد دافعة بالعديد من الأطراف المحلية والإقليمية نحو محرقة الصراع الطائفي في الحدود المرسومة ولا تتدخل إلا لتحجيم هذا الطرف أو نصرة ذاك إن لزم الأمر لضمان التوازن الدموي الذي يمكنها من الاستمرار في احتلال العراق أطول وقت ممكن.
والحقيقة أن وضعاً بهذا التناقض والحرج لهو جدير بالتأمل: إن ساندت الدول العربية الحكومة العراقية القائمة فهي تساند تركيبة تنادي ببقاء المحتل وتنفذ إملاءاته بالفرقة والتشرذم والسماح بالتغلغل الإيراني العميق في المنطقة وانسلاخ شمال العراق لقومية ترى لنفسها حق التفرد به دون غيرها من العراقيين، وإن ساندت المقاومة فستبدو في موقع المساند للإرهاب والجماعات المتهمة بالولوغ في دم العراقيين.
ولكن هل يعني هذا أن علينا أن نقف موقف الحياد أو نقف موقف المتفرجين على ما يجري في الساحة العراقية من منطلق أنه لا يعنينا بشكل مباشر أو أن المشهد أمام أنظارنا قاتم ولا يمكن أن نتبين تفاصيله، كلا وألف كلا بل المطلوب هو الوقوف إلى جانب الشرفاء من أبناء الشعب العراقي بمختلف طوائفه وفئاته وذلك بمناصرة التيارات التي تبدي مقاومة للوجود الأجنبي والتي هي في مجموعها تيار قوي جارف إذا ما تم العمل على توحيده وتنسيق مواقفه ومساندته بالدعم المعنوي واللوجستي الضروري. فهذه هيئة علماء المسلمين بأمينها العام الشيخ حارث بن سليمان الضاري مازالت على موقفها المبدئي من ضرورة التخلص أولاً من الاحتلال الأجنبي وكافة مترتباته على الأرض قبل التفاهم على شكل الدولة والتوازنات فيها، وهذا السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري وقائد جيش المهدي الذي مازال في صراع مع المحتلين منذ أول يوم وطأت أقدامهم فيه أرض العراق ولم يصوت أي من نوابه الثلاثين لصالح قانون الفدرالية في البرلمان، وهناك حزب الفضيلة الشيعي الذي رفض نوابه الخمسة عشر التصويت ايضاً لصالح القانون ومثلهم في ذلك النواب العرب السنة الأربعة والأربعون في البرلمان، كما أن بين الأكراد تيارا قوياً تقوده جماعة أنصار السنة يرفض الاحتلال والفرقة والانفصال.
وهكذا يمكن العمل إن صحّت النوايا على توحيد هذه القوى العراقية الوطنية المخلصة وتشجيع غيرها على الانضمام إليها لتوحيد الجهود وتشكيل التيار الرئيسي الجارف الذي يمكن أن يقود العراق نحو التحرر والوحدة والسيادة الكاملة ويعزز النزعة اليائسة في نفوس قادة التحالف المحتل والتي بدأت تتضح يوماً بعد يوم في تصريحات متناثرة على ألسنتهم هنا وهناك تفيد بأن عمر الاحتلال العسكري للعراق قد أصبح قصيراً وفجر التحرر والاستقلال قد أصبح وشيكاً وكل ما يحتاجه العراقيون الآن هو مزيد من الدعم المعنوي واللوجستي من أمتهم العربية امّا عدوّهم الأجنبي فهم كفيلون بمواجهته والانتصار عليه وسيتحقق لهم ذلك قريباً إن شاء الله..
altawati@yahoo.com
المأزق العربي في العراق
17 أكتوبر 2006 - 19:45
|
آخر تحديث 17 أكتوبر 2006 - 19:45
تابع قناة عكاظ على الواتساب
