قبل فترة قصيرة نشرت الغارديان البريطانية، ونقلت عنها «بي بي سي»، خبر جماعة سرية في مدينة أبها السعودية اسمها «شمع أحمر»، والكلام بطبيعة الحال لا يخص تنظيما إرهابيا أو محظورا، وإنما مجموعة من السينمائيين الصغار اختاروا شكلا جديدا لعرض أعمالهم، وهو بالتأكيد غير مألوف ــ على الأقل في المحيط العربي، فالدعوة لمشاهدة هذه الأعمال تتم بواسطة رسائل الموبايل ولرقم محدود، وأول العروض كان لفيلم تناول مكة المكرمة والإسلام في مواكبة ربما لموسم الحج، وسيهتم الفيلم الثاني بحقوق المرأة، والثالث بالسحر الأسود، والملفت أن حضور الفيلم الأول كانت أعمارهم في العشرينات ولم يتجاوز عددهم الأربعين، وقد أخذت صور فوتوغرافية لهم وهم يلتفون حول شاشة سينمائية عريضة وفي مكان غير معروف، وقال الإعلام البريطاني بأنهم لا يملكون خطة تساعدهم في التعامل مع مداهمات الشرطة، وفي هذا تناقض، فقد قالت المجموعة في بيان منشور بأنها لم تتعرض لمضايقات ولم تقدم عروضا مخالفة.
الخبر قد يوضع في خانة العادي جدا لو لم تكن السعودية مسرحا لأحداثه والأسباب معروفة، وهناك تحفظات على تبريرات المجموعة وإصرارها بأن تكون سرية في زمن الإنترنت واليوتيوب، أولها الرغبة في الارتقاء بالذائقة الفنية ورفع الثقافة البصرية للمجتمع وبلا جمهور باستثناء من توجه له دعوة، وهؤلاء الشباب الصغار يفتقدون الخبرة والتجربة، بافتراض أنهم من المهتمين بصناعة السينما، ولا أشكك في نواياهم الطيبة، وفي الوقت نفسه أستبعد قدرتهم على مواكبة آخر صيحات السينما العالمية وهم لا يعرفون أبجدياتها جيدا، ويجوز أنها تجمعات لمشاهدات أفلام «ثقافية» مشبوهة، وحتى هذه يمكن تأجيرها إلكترونيا، ومن داخل السعودية، باستخدام تطبيقات «الآيتونز»، والمعنى أن السينما المحترمة والخارجة أصبحت متاحة وخارج سيطرة الرقيب المحلي، ولا يلزمها اجتماعات، ولن تضيط بدون رقابة ذاتية، ثم لماذا الحرص على السرية ما دامت الأهداف نبيلة.
سينما الفقراء أو البروليتاريا ــ مثلما يسميها البعض ــ تحمل نفسا اشتراكيا تجاوزته المرحلة ولا يقبله الدين، وإن جاء أفلاطونيا ومثاليا في خطوطه العريضة، وبعض المدافعين يورطون المجموعة في تصنيفات يتناسون تاريخها وظروفها، وأقرب نموذج لما يقوم به السينمائيون الشباب في السعودية هو نادي الصحافة المستقلة في لندن، أو ما يعرف اختصارا بـ «فرونتلاين كلوب»، والنادي يقدم فيما يقدم عروضا خاصة وحصرية تتعرض في معظمها لقضايا سياسية خالصة، ومنذ سنوات قدم فيلما وثائقيا ناقش موضوع الأقباط في مصر، وكيف أنهم يعيشون حياة الكفاف والتمييز أيام الرئيس المصري حسني مبارك، ورغم أني لست مصريا لاحظت تحاملا واضحا ومبالغات لا يقبلها عاقل أو متابع عابر للشأن العربي، وانتهت حفلة المشاهدة بمناقشة الفيلم والتصفيق لصاحبه وبصورة مشابهة لما فعلته المجموعة السرية مع فيلمها الأول.
ما قيل لا يعني التضييق على الشباب أو منعهم، والأنسب ــ في رأيي ــ فتح أماكن عامة ومكشوفة لممارسة العمل السينمائي وعرضه، ومنح السينمائيين السعوديين فرصة للتعبير عن أفكارهم الإبداعية بحرية مسؤولة ومنضبطة، ودعمهم ماديا وأدبيا لتقديم الأفضل دائما، وبما لا يعطي الآخرين مجالا لاستغلال شماعة السينما في تمرير أجندات خارجية، فمن حيث المبدأ لا أحد يستطيع منع غيره من ممارسة حريته الشخصية في بيته أو أملاكه، ما لم يجاهر ويرتكب مخالفات صريحة أمام الناس، ومن غير المعقول أن تعرض السينما السعودية خارج أرضها وتفوز بجوائز ويكتب عنها في الصحافة المحلية، ويأتي من يقف ضدها وهو يذهب مع عائلته أو أصدقائه لمشاهدتها أو مشاهدة غيرها في الخليج وأوربا، وفي السابق دليل على أن بعض السعوديين يعانون من ازدواجية تحتاج إلى حسم نهائي، وليس في السينما وحدها، وإنما في قائمة من الممنوعات الاجتماعية.
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة
السينما السرية في أبها
21 أكتوبر 2012 - 20:02
|
آخر تحديث 21 أكتوبر 2012 - 20:02
تابع قناة عكاظ على الواتساب
