أعادني قول فضيلة رئيس المحكمة الجزئية في الرياض الدكتور صالح آل الشيخ، إن عقوبة المجاهر بالمعصية من أحكام التعزير التي لا ترقى إلى حد القتل ــ وكان تأكيد آل الشيخ جاء ردا على المطالبات بتنفيذ حد القتل في الشاب الذي جاهر بالمعصية على قناة تلفزيونية فضائية أخيرا، وتحدث عن ارتكاب معاص متعددة كما جاء في الخبر ــ، أقول إن هذا الكلام أعادني للحديث عن الفرق بين حكم الرأي العام المنفعل، حول قضية الشاب المجاهر بالمعاصي وتشديد العقوبة عليه، وبين الأحكام الشرعية المقعدة نظاما للحكم على فعل الشاب.
الفرق بين حكم الرأي العام العاطفي الغاضب، وتصوراته بما يستحقه المجاهر ضد الأخلاق، والتقاليد، والدين، وبين موضوع مهم في الادعاء، وهو بناء القضايا في الدوائر القضائية، حيث يتم التعامل مع القضية رسميا دون أي مؤثرات من الرأي العام أو الحكومة؛ لاستقلال القضاء، ونعني ببناء القضية منذ البدء اعتبار المجرم بريئا، ثم دراسة الأدلة المتوفرة، والقرائن، ونتائج تحقيقات الأمن، والادعاء العام، وصرف النظر عن أي آراء إعلامية، أو شخصية متوترة عاطفيا بسبب شناعة الفعل، ثم عرض هذا كله على حكم المشرع. والحقيقة التي يعرفها المشتغلون بالمحاماة، والقضاء، أنه لا توجد قضيتان متشابهتان، حتى لو قام بالجريمة فاعل واحد، أو عدد من الفاعلين، فالقضايا في حال التعامل معها من قبل القضاة ينظر إليها باستقلالية تامة عن غيرها، وقد ثبت في تاريخ القضاء بشكل مؤكد أن القضايا تشبه بصمات الأصابع لا يشترك فيها شخصان حتى لو بدا لنا أنها متطابقة في ملابساتها، فكل قضية، سواء في مرحلة التخطيط، أو في مرحلة التنفيذ، يشار في ملابساتها للفاعل الواحد، أو العدد من الفاعلين بجريمة تأخذ وضعها، بالاشتراك، أو التعاقب، أو الافتراض، وقد تكون مسؤولية.
عندما تبنى كل قضية من وجهة النظر القضائية بأدلتها، وملابساتها، وقرائنها، وتوضع في ملف مستقل تعرض على الأحكام النظامية، ويبدأ القضاة بتحديد حكمها.
هذا يفسر لنا ما قاله الدكتور رئيس المحكمة الجزئية لـ «عكاظ» بتاريخ 31/ يوليو / 2009 م، ونحن نعلم أنه في كثير من القضايا في العالم تصدر أحكام على أشخاص قد لا تتوافق مع حدة الرأي العام في المجتمع، فالقضاة لا ينظرون في القضايا نظرة عاطفية تسند الحكم إلى البراءة، أو التجريم الاجتماعي، بل إلى الأدلة، والقرائن، ونتائج التحقيق حولها، وملابسات الحالة المحددة.
alqulam2@hotmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 240 مسافة ثم الرسالة
حكم الرأي وأحكام القضاء
8 أغسطس 2009 - 20:52
|
آخر تحديث 8 أغسطس 2009 - 20:52
تابع قناة عكاظ على الواتساب