يكفي أن تجلس مع رجل أعمال سعودي لتسمع شكواه مما تفعله وزارة العمل، وأنه بسبب التعسف بدأت رؤوس الأموال تهاجر بعيدا عن الوطن، وأن "سعودة الوظائف" التي ترفعها ما هي إلا شعارات ومزاعم بأنها حريصة على الوطن .
إن لم تكن لديك فكرة عما كان يجري بوزارة العمل في السابق وكيف كان "الكثير" يسترزق من مسألة "جلب العمالة" وإطلاقها في الطرقات، ومن ثم مطالبة الأفراد بدفع ما يعادل 500 ريال كل شهر لكفيلهم، الذي يجلس في البيت لا يعمل شيئا سوى أن يقاسم العمالة آخر الشهر رزقهم، فأصابه قرار إلغاء الاستقدام في مقتل، وأصبح يقول : "الله لا يوفق القصيبي قطع رزقي"، أحيانا يلتبس الأمر على البعض فلا يفرق بين الرزق والسرقة؟
قلت إن لم يكن لديك فكرة عما كان يحدث، ستخرج بانطباع أولي هو أن الوزير يعمل ضد اقتصاد الوطن "أي غير وطني"، فيما ستظن أن رجل الأعمال هو الوطني الذي وضع مصلحة الوطن من أولوياته وليس نسبة الربح، ولن تنتبه "إن بعض الظن إثم" وستكتب مقالا ترفض به فكرة "السعودة" وتطالب وزارة العمل أن تتخلى عن دورها كرقيب لتدخل شراكة مع رجال الأعمال، ظنا منك أن المشكلة لها سبب واحد وهو قرارات الوزارة، وهذا إثم آخر .
ففكرة أن هناك سببا واحدا للمشكلة سقط وإلى الأبد، ومشكلة "السعودة" ليست أحادية السبب، فالتعليم الذي لا يعلم الفرد قيمة العمل وتقديسه سبب، المجتمع الذي يرى أن التسول كأن يحمل المواطن معروضا أمام الأبواب ليتسول، لا تثريب عليه ولا هو يهدر ماء وجهه، وأنه أفضل وأسهل من البحث عن عمل سبب آخر .
ثقافة الفهلوة والخداع لدى غالبية رجال الأعمال، وبحثهم عن الربح السريع بإحضار عمالة أرخص لتحقيق أعلى الأرباح سبب آخر .
عدم تحديد حد أدنى للأجور في القطاع الخاص كما حدث قبل عامين حين ألغى ديوان المظالم قرار تحديد حد أدنى لأجور المدرسين في المدارس الخاصة، جعل الفروقات كبيرة بين مدرسي القطاع العام والقطاع الخاص .
وكل هذه الأسباب هي ما جعل البعض يظن أن قرارات وزارة العمل تضر بالاقتصاد الوطني، والحق يقال إن القرارات سليمة على المستوى النظري وناجعة، لكن المجتمع والتعليم لا ينتجان فردا يحترم العمل، ورجل الأعمال أولوياته تحقيق ربح أعلى وإن زعم غير ذلك، فبدت القرارات مضرة .
قد يقول رجال الأعمال، إذن لنلغِ هذه القرارات طالما لا تحقق أهدافها، وهذا إثم ثالث، لأننا مع الوقت سنجد أن الشركات بدأت تلجأ للعمالة الأجنبية لأنها أفضل من العمالة السعودية وأقل تكلفة، وسيحدث خلل في التركيبة السكانية، وسيصبح غالبية السعوديين عاطلين عن العمل، وسيصبحون من الطبقة الفقيرة.
وهنا سيخرج أصحاب فكرة أن المشكلة لها سبب واحد ومعهم قراء النوايا، ليحذروا المجتمع من الوزير الذي يريد تفكيك المجتمع بتدمير ثقافته، وسيعلنون أن الوزير ليس ضد اقتصاد الوطن بل ثقافته .
يخيل إلي أن الوزير الذي يعمل في مجتمع لا يقدس العمل، يدخل نفسه في مآزق كثيرة ويتورط، فتبدو قراراته التي يمكن لها أن تغير المجتمع للأفضل مضرة، لأن المجتمع الذي لا يؤمن بالعمل هو ضد التغيير وينزع للركود، دون أن ينتبه إلى أن ثلاثة أرباع جسد الإنسان ماء، والماء يفسد إن ركد الإنسان كذلك.
S_ alturigee@yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 127 مسافة ثم الرسالة
القصيبي والاقتصاد الوطني
30 يناير 2009 - 21:13
|
آخر تحديث 30 يناير 2009 - 21:13
تابع قناة عكاظ على الواتساب