كثير من مشكلات الأزواج التي تبدأ من سوء التعامل، ومروراً بالضرب، وانتهاء إما بالطلاق من جانب الرجل، أو الخلع من جانب المرأة، ترجع إلى حالة من اثنتين في رأيي: الأولى، سوء استخدام الرجل لما خوّله له الشرع من سلطات وصلاحيات في نطاق التعامل الأسري، سواء مع الزوجة أم مع الأبناء، والثانية، عدم فهم المرأة لحقوقها الشرعية التي ضمنها لها هذا الدين الحنيف.
فكرت في ذلك وأنا أقرأ خبرين أثارا الدهشة في نفسي، لأنهما يجسدان ما ذكرته آنفاً في السطور السابقة، فالخبر الأول يفيدنا أن زوجاً وزوجته وطفلهما، كانا قادمين من إحدى محافظات الشرقية، وعند وصولهما لإحدى محطات الوقود بالقرب من الأرطاوية، نزل الزوج لمحل التموينات لجلب بعض المواد الغذائية، وعند عودته تفاجأ بعدم وجود الزوجة وبقاء الطفل بمفرده في السيارة، عندها أبلغ الزوج الجهات الأمنية التي وجدت الزوجة بعد ساعة، على بعد 7 كم من محطة الوقود، حيث تبين لهم أنها أقدمت على الهروب من زوجها لأنه كان يضربها.
أما الخبر الثاني فكان في مكة المكرمة، حيث ألغت إدارة الجوازات أمر ترحيل بحق زوجة وافدة وأبنائها، وصححت وضعهم رسمياً بنقل كفالتها إلى ابنتها الكبرى، بعد الاطلاع على حكم المحكمة بعدم كفاءة والد أبنائها للتربية والوصاية عليهم، وكانت الزوجة المتضررة قد اتهمت زوجها الذي استصدر أمر ترحيل لها ولأبنائها، بتعنيفهم. هذا الصنف من الرجال، الذي يمارس عقوبة الضرب، والضرب المبرح للزوجة، تراه ينبري بكل بجاحة، مبرراً سلوكه، بأنه إنما يمارس حقه الشرعي في تأديب زوجته، ووفقاً لقوله تعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً» (النساء/ 34). فمن مستلزمات القوامة التي جعلها الله حقاً للرجل، ووفق مفهوم الكثيرين من الرجال، أن يضرب الرجل زوجته، هكذا دون تحديد لهذا الضرب أو تقنين له.
والقوامة -كما يذكر القرطبي في تفسير الآية- هي القيام بالنفقة والذبّ عن النساء، كما يستفاد من الآية -على نحو ما فسرها القرطبي- حق الرجال في تأديب نسائهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها، وقد جعل الله تعالى هذا التأديب تدريجياً، حيث الوعظ أولاً بكتاب الله وسنة نبيه، ثم الهجر في المضاجع، كعقاب نفسي معنوي، وبخاصة للمرأة التي تحب زوجها وتتمسك به، ثم الضرب، وهو كما فسره العلماء: ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة. لكن واقع المسلمين غير ذلك. فالحادثتان المنشورتان في صحافتنا، إحداهما زوجين سعوديين، وثانيتهما لزوجين مسلمين مقيمين، ومعنى ذلك أننا كلنا في سوء الفهم، وممارسة الصلاحيات، سواسية. ثقافة ذكورية تستلهم أسسها من عادات وتقاليد وأعراف، وتمسح عليها صبغة إسلامية، والإسلام منها براء.
dr@drrasheed.com

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 177 مسافة ثم الرسالة