لئن ارتبطت مآس كثيرة بالوجود الإنساني إلا أن الفقر أشدها وقعاً وإيلاماً على أي مجتمع يظهر فيه، ولا يمكن لأي سلطة في أي مكان في الدنيا أن توجد مبرراً واحداً مقبولاً له مهما بلغت من الضعف وشحّ الموارد خاصة إذا وصل تأثيره حد تساقط الناس موتى أو مرضى كما هو الوضع حالياً في العديد من دول حوض الصحراء الأفريقية وفي بعض الدول العربية، فلا يمكن لأحد مهما بلغ من قوّة الحجّة وبيان الخطاب أن يقنع أحداً بأسباب فقره وجوعه فأمام الحاجة تتلاشى كافة الحجج والخطابات ولا أسوأ من أن يموت الإنسان جوعاً ولكم أن تتخيلوا ذلك، والمؤكد أن الفقراء الذين يموتون بصمت لا يصلون إلى تلك النهاية لأنهم راضون بمصائرهم ولكن لفقدهم الأمل بالقدرة على تغيير أوضاعهم خاصة في ظل حكومات جائرة تنفق على الأمن ومكافحة الشغب والجريمة أكثر مما تنفق على التنمية ولا تجد من يحاسبها على فقر مواطنيها الذي يعتبر، من وجهة نظري، أكبر جريمة يمكن أن يرتكبها الإنسان في حق إنسان آخر.
ولذلك يحظى موضوع الفقر بالعديد من الدراسات للتعرف على أسبابه وطرق مكافحته في مختلف أنحاء العالم فتجرى المسوح والاستبيانات الحقلية لتتبعه في مواقع تركّزه وتوضع المعايير الإحصائية لقياسه. ويعتبر الرقم القياسي للفقر الذي ابتكر من قبل خبراء التنمية في الأمم المتحدة واحداً من أحدث مؤشرات التنمية الإنسانية منذ أن تم اعتماده والعمل به لأول مرّة في تقرير التنمية الإنسانية للعام 1997م، ويقيس هذا المؤشر متوسط التقدم الذي تحققه الدولة، أي دولة، في التغلب على مشكلة الفقر بين مواطنيها، ولذلك يتم التركيز من خلال هذا المؤشر على السكان الذين يعيشون في ظروف صعبة لا يتمكنون تحت وطأتها من تحقيق متطلبات الحد الأدنى من العيش الكريم عمراً طويلاً، في ظروف صحية مناسبة، وتعليم كاف، ومستوى معيشي مقبول.
ويفرق خبراء الأمم المتحدة بين الرقم القياسي الخاص بالدول المتقدمة ونفس الرقم بالنسبة للدول النامية وذلك اعترافاً منهم بنسبية الفقر واختلاف مفهومه من مجموعة دخل دولية إلى مجموعة أخرى، ولذلك يضيفون الرقم (1) للرقم القياسي بالنسبة للدول النامية ليقرأ هكذا HPI-1 لتمييزه عن الرقم الخاص بالدول الصناعية المتقدمة HPI-2 . وتتذيل قائمة الدول الصناعية الأسوأ فقراً للعام 2003م كل من إيطاليا، فالولايات المتحدة، فإيرلندا، فبريطانيا، أما قائمة الدول النامية الأكثر فقراً فتتذيلها 24 دولة أفريقية.
أما بالنسبة للعالم العربي فتتذيل قائمة فقره أربع دول عربية هي اليمن، فالسودان، فالمغرب، فمصر، التي تحتل المراتب 77 و 59 و 61 و 55 على التوالي في سلم ترتيب الدول النامية التي تدخل ضمن الدول النامية المشمولة في المؤشر والتي يبلغ تعدادها 132 دولة، وتبلغ قيمة المؤشر بالنسبة للمملكة العربية السعودية 16.3 % للعام 2003م وتعني هذه النسبة أن المملكة تقع ضمن الدول متوسطة التنمية على الصعيد الإنساني لتحتل المرتبة 30 في قائمة الدول حسب الجهود التي تبذلها في محاربة الفقر، بمعنى أن 29 دولة نامية أخرى تتقدم على المملكة في هذا المجال.
ورغم ذلك فالمأساة لا تكمن هنا فكلنا نعرف أن كثيراً من الدول العربية تعاني من الفقر بسبب النقص في مواردها أو في عقم سياساتها المالية والنقدية مع وجود الموارد الكافية بل والفائضة أحياناً، وبالتالي لا يتوقع أحد أن تحقق أرقاماً إيجابية، ولكن المفاجأة المذهلة في هذا السياق تكمن في اسم الدولة الأولى على مستوى العالم العربي في محاربة الفقر! أتعلمون من هي تلك الدولة؟ إنها فلسطين المحتلة التي بلغت قيمة مؤشرها نسبة ضئيلة وصلت إلى 6.5 % وهي نسبة ليست ببعيدة عن النسبة التي حققتها (أورجواي) أفضل دولة نامية في مجال مكافحة الفقر التي حققت المرتبة الأولى بين مجموعة الدول المائة والثلاثة والتي بلغت 3.6%، وبهذا يحتل الفلسطينيون المرتبة السابعة في ترتيب الدول النامية في مجال محاربة الفقر.
وقد يتصور المرء لأول وهلة أن الفلسطينيين في الأرض المحتلة يضربون مثلاً يمكن أن يحتذى في التكافل وتسخير المعونات الدولية والموارد الضئيلة المتاحة لمكافحة الفقر وتوفير أسباب العيش المناسبة للمواطنين، ولكن إمعان النظر في ما خلف هذه الأرقام والإحصائيات التي أعدتها أجهزة الأمم المتحدة قد يظهر لنا حقيقة أن هذا النجاح لا يمكن أن يعزى للسلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها لأن المتنفذين فيها لا يختلفون في فهمهم للسلطة والمال العام عن أي متنفذين آخرين في أي بلد عربي آخر بل يمكن أن يعزى لهيئات الإغاثة العالمية ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في فلسطين المحتلة التي تصر على تجاوز السلطة الفلسطينية وتقوم بتقديم مساعداتها وخدماتها الإنسانية للمواطنين الفلسطينيين مباشرة دون وساطة أو إشراف سواء من السلطة الفلسطينية أو من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ولا بد بالتالي أن ينسب الفضل لأهله وأن يبدي الفلسطينيون امتنانهم لتلك المنظمات مع الأمل أن تسمح الحكومات العربية الأخرى لمنظمات الإغاثة العالمية المختلفة بتقديم مساعداتها للمواطنين العرب بشكل مباشر دون تدخل تلك الحكومات فلربما ينجح العالم في محاربة الفقر العربي بعد أن فشلت حكوماته المستقلة سواء منها الغنية أو الفقيرة ومؤسساتها الشعبية الأهلية في مكافحة الفقر على مختلف وجوهه ودرجاته.
altawati@hotmail.com