تابعت خلال الأيام الماضية تفاعل الكثيرين مع نبأ تنحي الأستاذ حمد القاضي عن رئاسة تحرير (المجلة العربية)، الذي تبدى في صورة زخم كبير من الكتابات والتعليقات المفعمة بفيض من مشاعر التأثر لترك الأستاذ حمد للمجلة، وقد أدهشني ذلك العدد الكبير من الأصدقاء والمحبين للأستاذ حمد، الذين أكاد أجزم أنهم ما كتبوا ما كتبوه من تعبير عن الحب والمودة إلا لما لمسوه من حميد الخصال فيه، ومن طيب المعشر عنده.
وإذا كان أصدقاء الأستاذ حمد ومحبوه ساءهم تنحيه عن رئاسة تحرير المجلة بعد أن ارتبط وجودها بوجوده واقترن اسمها باسمه لسنوات طويلة، فإني أختلف عنهم في هذا، فقد رأيت لهذا التنحي فضلاً كبيراً، فقد كان سبباً في أن يرى الناس هذا الجمال الأخاذ المضيء بنور من العواطف الصادقة والمودة الحميمة التي يمكن أن توجد بين الأصدقاء، والتي تمثلت في متانة هذه العلاقات الودود التي تربط القاضي بعدد كبير من الشخصيات الطيبة الكريمة في هذا البلد.
أن يكون الإنسان محبوباً أو (ذا شعبية) بين الناس ليس بالأمر الهيّن الميسور وليس هو بالأمر المتاح لكل أحد، فكسب القلوب أشد عسراً ومشقة من كسب المال أو العلم، فهذان، على مشقتهما وثقل ما يتطلبانه من الجد والنصب، هما أقرب إلى النوال من أن يجد المرء نفسه محبوباً من ناس كثر، ذا شعبية بين إخوانه لذاته فقط، لا لشيء آخر من أمور الدنيا.
كان آخر ما قرأت من كتابات المحبين للأستاذ القاضي حول تنحيه عن رئاسة تحرير المجلة العربية، رسالة معالي د.غازي القصيبي إلى الأستاذ حمد المنشورة في صحيفة الجزيرة يوم السبت الماضي (28 رجب/ 1428هـ). والدكتور القصيبي ناثر مطبوع، تعجبني كثيراً كتاباته النثرية، ربما لأني ألمس فيها خليطاً من الأشياء التي أحبها فتشبع شيئاً في نفسي، فغالباً أجد نثر القصيبي يتسم بالعمق الخالي من الثقل، والمعرفة المجردة من الغرور، والبساطة الخالية من الابتذال. ولن أزيد لأضيف ما اعتاد قوله التقليديون من النقاد، أو ما لُقن لنا فحفظناه منذ أن كنا طلاباً نقرأ في كتب مدرستنا الثانوية شروط الكتابة الجيدة وما يجب أن يتوفر فيها من سلاسة في الأسلوب وجزالة في اللفظ وإيجاز من غير إخلال بالمعنى وإطناب من غير إملال إلخ تلك الشروط المرسومة للناثرين الطامحين إلى الجودة، فنثر القصيبي، كما أتذوقه، هو كل ذلك، إلا أنه تميز فوق هذا بالبراعة في الفكاهة الذكية، التي لا يكاد يوجد لها نظير في جمعها بين الرقي واللذع والظرف. وهذه الفكاهة في كتابات القصيبي ظاهرة حتى توشك أن تراها في معظم ما يكتب من أدب: في الرواية والمقالة والرسائل بل حتى في الشعر، وما يزينها أنه يدمجها بالجد فتأتي فكاهته قارصة، لكن (المقروص) غالباً لا يملك إزاءها سوى أن يبلعها وهو يضحك.
أخيراً، أقدم للأستاذ الكريم حمد القاضي جميل تهنئتي بفوزه بامتلاك كل تلك القلوب، وأبارك له هذا الحب الذي تكنه له قلوب الأصدقاء وآلاف القراء من أصدقاء المجلة. وأستعير هنا عبارة د.القصيبي لأقول له: طوبى لمن يترجل عن منصبه فيجد أنه مازال هناك أناس يحبونه ويذكرونه بالخير ويأسون على غيابه.
فاكس 4555382