ذكر آيان هارغريفس في كتابه: الصحافة حقيقة أم جرأة (2003) بان بارون الصحافة البريطانية اللورد نورثكليف، رأى ان الاخبار الصحافية، تكون في الموضوعات، التي لا يرغب بعض الناس أو اصحاب المصالح في نشرها، أما غيرها فلا يخرج عن دائرة الإعلان.
وجهة نظر البارون، تنطبق تماماً، على الاعلام الرياضي الغربي وربما العربي، فمعظم مايظهر في الصفحات الرياضية للصحافة المطبوعة، إما ان يكون تافهاً في احسن الاحوال، أو في حالات أسوأ اقرب الى المواد الاعلانية في مضمــونه، ومن امثلتها، قصة شعر ديفيد بيكــام وفطـور رينالدو، بل لو تأملنا قليلاً نجد أن العناوين الرياضية العريضة في مجملها، تعرض لاخبار سخيفة، واشار جيفري هيل في اصداره: الرياضة والفــراغ والثقافة في بريطانيا القرن الحادي والعشرين (2002) بأن موضة الكتابـة باسماء كـــودية أو بدون اسماء، بدأت في جريدة ذي تايمز البريطانية، خلال الثلاثينات الميلادية، في محاولة للموازنة بين نشـــر الاخبار المثيرة، الدراما الرياضية وما يجري خلف الكواليس، والحفاظ على علاقة مستقرة مع المصادر الرياضية، وكتب آرثر هوبكرافت في: الرجل الكروي، ناس وعواطف في كرة القدم (1968) ان اول ما كان يشغل بال الصحافيين في عالم كرة القدم، فترة الستينات والسبعينات الميلادية، هو الوصول الى المصادر المناسبة لاقتناص الاخبار المهمة، وان هذا التعاون ادى الى قيام علاقة تواطؤ بين الطرفين، حركه اغراء المزايا الخاصة في الاتصال المباشر والمستقر بالنوادي الرياضية، وتودد الصحافيين عن طريق تقديم انفسهم للمصادر كشركاء في عاطفة أو مصلحة واحدة، وانه حتى لو اطلع الصحافيون على قضايا تعاطي المخدرات والمنشطات، والتلاعب بنتائج المباريات أو المخالفات الرياضية الاخرى، فإنهم غالباً لا ينشرونها، لأن ذلك قد يهدد علاقتهم اليومية، مع المصادر التي يعتمدون عليها في اخبارهم، وقال رود بروكس في: تقــديم الرياضة (2002) ان الفضائح الرياضية، لا تناقش عادة في صفحات الرياضة، وهو عرف متفق عليه ومعروف بين الصحافيين، ولاحظ ريموند بويل وريتشارد هاينز في: لعبة القوة، الرياضة والإعلام والثقافة الشعبية (2000) بان الكتاب الرياضيين نادراً ما يتناولون السياسات الرياضية، وانه في زمن التسويق وسيطرة الاعلام، صارت الصحافة المستقلة وغير المشبوهة، تحدياً كبيراً، واورد بيت ديفيس في كتابه: تفاصيل المسرحية، القصة الكاملة لايطاليا (90-1991) بان هناك صفقات وصداقــــات دافئـــة خلف الستار الاعلامي، بيــن الصحافيين والرياضيين، وقال الكاتب الامريكي، فرانك ديفورد، الذي اعتبر ست مرات، احسن كاتب امريكي في الرياضة، بأن العلاقة بين الصحافي ومصدر اخباره، تعمل اجمالاً لمصلحة الاخير.
كذلك، وممــا اعـرف ان نسبة لا بأس بها من الصحـــافيين العرب، المسؤولين عن شؤون الرياضة، يعملون في مؤسسات رياضية رسمية، وتتم اعارتهم للصحافة، أو احيانـــاً، تربطـــهم عضـــوية شرفية أو مصالح شخصية بالاندية، اي ان مواقفهم المحايدة والموضوعية محل شك، وان حاولوا الاصرار عليهما، وانحيازهم أو تحاملهم وارد جداً، بجانب ان ديفيد روي (2005،1999) ارجع وقوف الصحافيين الرياضيين عموماً في صف شخصيات الرياضة، الرسميين والمؤسسات الراعية للمناسبات الرياضية، الى خوفهم من التجميد أو الوضع على الرف وبالذات محلياً، ولا يدخل في التصنيف المعلقون الرياضيون في الاذاعة والتلفزيون، فقد سجل البروفسور ستيفــــن بــارنت(1990) ان العاطفة والتلقـائية تحكمان تصرفاتهم وكـــلامهم، مقــارنة بالكتابة الهادئة والمحسوبة، للصحافي المطبوع أو المقروء. ما يفسر، من زاوية ثانية، والاضافة لي، تفضيل الرياضيين للتلفزيون والاذاعة، لان احتمالات الحذف والاضافة فيها محدودة. الشيء الاخر، ان عالم المناسبات الكبيرة في الصحافة الرياضية المعاصرة، مثير للتأمل، فقد منحت بطولة كأس العالم في فرنسا 98، حق نقل المباريات لـ 12 الف اعلامي، بينهم ثلاثة آلاف صحافي مطبوع، يعملون في صحافة التابلويد، الصحافة الجادة، وكالات الانباء، المجلات، الصحافة الالكترونية، ومراسلون مستقلون «فريلانس»، ومعهم ثمانمائة وخمسون مصوراً، وبلغ عدد مراسلي الاعلام التلفزيوني والاذاعي ستة آلاف وثمانمائة، والطواقم الفنية ألفاً وثلاثمائة، وفي الالعاب الاولمبية الصيفية في سيدني، سمح لواحد وعشرين الف اعلامي بنقـــل الالعاب المختلفـــة، والمفارقة ان عدد الاعلاميين في المناسبة الثانية، يعادل ضعف عدد اللاعبين، اي انه مقابل كل لاعب هناك اعلاميان، وفي المناسبة الاولى، كانت الفيفا واللجنة الفرنسية المنظمة للبطولة، تتحكم في وصول الاعلاميين الى اماكن تدريب واقامة اللاعبين، وبالتالي ادارتها لما يطرح في الاعلام حول المناسبة، مع مراعاة ان 99 في المئة من اخبار الرياضة يكتبها رجال.
كما ان للراعي الاعلامي في المناسبات الرياضية، افضلية في طرح الاسئلة، والحصول على معلومات خاصة قبل وبعد المباريات، ما يعني انه يدير اسلوب التغطية الاعلامية، لان المؤسسات الاعلامية الاخرى تستخدم اجابات اسئلته كاقتباسات، وان لم تشر اليها، ومن الحيل في الصحافة الرياضية تشجيع بعض الصــحافيين المخضرمين، للمبتــدئين من مطبوعات اخرى، على اثارة قضايا حساسة، ثم يناقشونها بعد ذلك، باعتبار انها معرفة عامة ومتاحة للجميع، وهذه الحيلة تحيد اتهامهم بخيانة ثقة المصدر، بينما تفقد مثيري الموضوع امتيازاتهم، وفي المقــــابلات الرياضية التي تترجم لاكثر من لغــة، قد يتـــلاعب الصحافيون بالالفـاظ والعبارات، لاعطاء الجمل معاني جديدة، واحياناً بعيدة عن ما دار في المقابلة الاصلية.
قرأت كلاماً منقولاً عن كبير المراسلين الرياضيين في وكالة رويترز، مايك كوليت (2004) قال فيه، ان اخفاق الاشخاص في الدخول لعالم كرة القدم كلاعبين، قد يؤدي بهم الى اختيار الصحافة الرياضية، لإشباع حالة الحب والرغبة العاطفية التي تربطهم باللعبة، بمقابل مادي ورحلات مدفوعة، ومقابلة النجوم، والجلوس في مقاعد امامية داخل الملاعب، وان الجرأة والتهور، تساويان تنازلهم عن كل هذه المزايا، إما بالاستغناء عنهم، أو تحييدهم وتفضيل غيرهم عليهم، وهو في نظرهم اصعب من الكابوس.
علاقة الصحـــافة الرياضيــــة بالرياضيين، لا تختلف عن علاقة الصحافة السياسية بالسياسيين، والفنية بالفنانين، والاقتصــــادية برجال الاعمال، والشعبية بالشعـــراء، ووفق هذه الرؤية، فإن مسؤولي تحرير صفحات الرياضة، يتركون مساحة معقولة للمؤسسات الرياضية، حتى تحدد لهم اولوياتهم.
binsaudb@ yahoo.com
أخبار ذات صلة