كانت أبرز تداعيات زلزال الهزيمة الكارثية الساحقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأنصاره من الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية هي ردة فعل البورصات المالية والهبوط الحاد الذي لحق بأسهم شركات التقنية العليا عموماً والذكاء الاصطناعي تحديداً. وذلك لأن الخطاب الانتخابي للعديد من مرشحي الحزب الديموقراطي كان يعد بوضع قيود لتوسع سلطات الذكاء الاصطناعي والحد من توغل مراكز البيانات في معظم الولايات بسبب الاعتراضات الشعبية المتزايدة على ذلك. الولايات المتحدة هي موطن ثورة الذكاء الاصطناعي، وفي نفس الوقت من بين الأماكن التي يحب الناس فيها هذه التكنولوجيا الأقل.

حسب استطلاع للرأي في عام ٢٠٢٦ فإن 85% من المشاركين في الصين، و80% في الهند، و77% في إندونيسيا يعتقدون أن منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي تقدّم فوائد أكثر من أضرارها، مقابل 38% فقط في الولايات المتحدة، مع نسب منخفضة مماثلة في بريطانيا وفرنسا وهولندا.

هذه المواقف من المرجّح أن تشكّل تبنّي التكنولوجيا وتداعياتها على النمو على المدى الطويل.

بما أن أي مجتمع متردد في نشر تكنولوجيا ما لم يجنِ مكاسبها، فمن المفيد فهم لماذا يتم الترحيب بثورة الذكاء الاصطناعي في بعض الأماكن ومقاومتها في أماكن أخرى.

التفسير ليس شرقاً ضد غرب ببساطة

التفسير ليس بسيطاً كما يبدو «شرق مقابل غرب». فـ50% فقط من المشاركين اليابانيين يرون فوائد أكثر من أضرار، وهذا يوضح أن الانقسام ليس جغرافياً بحتاً. كما أن التفاؤل بالذكاء الاصطناعي في آسيا لا يعكس فشلاً في التفكير في ما يمكن أن يحدث خطأ.

في أحدث استطلاع للخبراء حول التقدّم في الذكاء الاصطناعي، الذي نُشر في سبتمبر، أعطى الباحث المتوسط احتمالاً بنسبة 10% بأن تتسبّب التكنولوجيا في انقراض البشرية أو فقدان مماثل للسيطرة.

واللافت أن الباحثين الذين تلقوا تعليمهم في آسيا شعروا أن هذه المخاطر أعلى من أولئك الذين تلقوا تعليمهم في أمريكا الشمالية أو أوروبا.

التفسير الحقيقي: ماذا تملك أصلاً؟

يقول فراي إن الذكاء الاصطناعي يعني أشياء مختلفة جداً اعتماداً على ما يمتلكه المجتمع أصلاً.

في الاقتصادات الغنية: الذكاء الاصطناعي ينافس خبرة بشرية باهظة الثمن. إنه يستبدل شيئاً موجوداً ومكلفاً.

أما في الاقتصادات الناشئة فالذكاء الاصطناعي يوفّر خبرة لم تكن متاحة أبداً.

ويعطي مثالاً واضحاً كمزارع أرز في بيهار في الهند، لم يرَ خبيراً زراعياً في حياته، سينظر إلى الذكاء الاصطناعي نظرة مختلفة تماماً عن محامٍ في لندن يرى أن خبرته أصبحت أقل ندرة.

وهنا يظهر الانقسام داخل أمريكا نفسها، هذا الانقسام لا يظهر فقط بين الدول، بل داخل أمريكا نفسها، حسب الدخل.

حسب استطلاع في عام ٢٠٢٦ أظهر أن 60% من الأسر الأمريكية التي تكسب أكثر من 200,000 دولار تتوقع أن يفعل الذكاء الاصطناعي خيراً أكثر من شر في حياتهم اليومية، مقابل 26% فقط من الأسر التي تكسب أقل من 50,000 دولار، أي أن من يملك الخبرة والمال يرى فيه فرصة، ومن يخشى على وظيفته يراه تهديداً.

هذا يحدث الآن فعلاً، هذا ليس مجرد خوف نظري بدأ يظهر في سوق العمل.

مكتب المحاماة كليفورد تشانس خفّض 10% من موظفي خدمات الأعمال في لندن، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي كسبب لذلك، ونقل العمل إلى الهند.

وشركات المحاسبة الكبرى خفّضت توظيف الخريجين في بريطانيا بثلث منذ عام 2023، بينما زادت التوظيف في الهند وماليزيا والفلبين.

الخاسرون، بعبارة أخرى، هم الخريجون الشباب في الغرب، وهم أصلاً الأكثر تشاؤماً بشأن الذكاء الاصطناعي.

الخاتمة: درس الثورة الصناعية

لكن الثورة الصناعية وتجربة الصين نفسها تذكّران بأن مثل هذه المشاعر يمكن أن تكون لها عواقب طويلة الأمد.

بينما حلّت بريطانيا مشكلة «اللوديتس» بالقوات والمشانق، فإن ذلك لن يكون نهج الغرب تجاه مقاومة الذكاء الاصطناعي.

للاستفادة من طفرة الإنتاجية التي يعد بها الذكاء الاصطناعي يجب على الدول التي بنته أن تضمن أن أولئك الذين يهددهم يشاركون في المكاسب.

الخلاصة بجملة واحدة:

الغرب لا يكره الذكاء الاصطناعي لأنه لا يفهمه، بل لأنه يفهم جيداً من سيخسر منه.