مع دخول عملية "فجر اليمن" شهرها الثاني، واتساع المواجهات العسكرية في الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي، تتكشف أبعاد أخرى للتهديد الذي تمثله مليشيا الحوثي، تتجاوز الجبهات اليمنية إلى الضفة المقابلة من البحر الأحمر.
فبينما تواجه الجماعة ضغوطاً عسكرية متصاعدة في الداخل، تشير تقارير أمنية وأممية إلى شبكة من الاتصالات والأنشطة المرتبطة بتهريب الأسلحة والتدريب والتنسيق مع تنظيمات مسلحة في القرن الأفريقي، ضمن مسار يمنح إيران فرصاً إضافية لتوسيع نفوذها، في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وتعيد التطورات الميدانية الأخيرة تسليط الضوء على طبيعة المشروع الحوثي وامتداداته الإقليمية، خصوصاً مع إعلان مجلس القيادة الرئاسي اليمني، في بيان بمناسبة مرور شهر على انطلاق «فجر اليمن»، تنفيذ أكثر من 40 ألف عملية استهداف منذ الخامس من أكتوبر الماضي، ضمن حملة عسكرية تستهدف إضعاف قدرات المليشيا واستعادة مؤسسات الدولة والمواقع الإستراتيجية.
نفوذ يتجاوز الحدود
بدأت ملامح النشاط الحوثي في القرن الأفريقي من خلال شبكات التهريب التقليدية، التي تربط السواحل اليمنية بالصومال وجيبوتي وإريتريا، قبل أن تتخذ هذه العلاقات طابعاً أكثر تنظيماً عقب سيطرة المليشيا على صنعاء عام 2014. ومع تطور قدراتها الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة، اكتسبت تلك الشبكات أهمية متزايدة في حسابات النفوذ العسكري والأمني. وتشير تقارير متخصصة إلى مساعٍ حوثية لبناء قنوات اتصال مع مجموعات مسلحة وشخصيات محلية في عدد من دول القرن الأفريقي، مستفيدة من حركة التجارة غير النظامية والتهريب والهجرة، إلى جانب الظروف الأمنية المعقدة التي تشهدها بعض دول المنطقة. وتكتسب هذه التحركات خطورتها من الموقع الجغرافي للقرن الأفريقي، الذي يشرف على الممرات البحرية المتصلة بمضيق باب المندب وخليج عدن، حيث تمر خطوط تجارية حيوية تربط الأسواق الآسيوية بأوروبا، وأي توسع لنشاط الجماعات المسلحة على ضفتي البحر الأحمر يرفع احتمالات اضطراب الملاحة، ويزيد الأعباء الأمنية والاقتصادية على دول المنطقة وشركات النقل البحري.
تحالفات السلاح والتنظيمات المتطرفة
وتبرز العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، بوصفها أحد أبرز المؤشرات على اتساع النشاط الحوثي خارج اليمن. وكشف فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، في تقريره الصادر عام 2025، عن تنامي التعاون بين الطرفين في تهريب الأسلحة والتدريب الفني وتبادل الدعم اللوجستي، محذراً من انعكاسات هذه العلاقة على الأمن والاستقرار الإقليمي. وتفيد المعلومات التي جمعها الخبراء بأن التعاون شمل تبادل الخبرات العسكرية وتطوير القدرات المرتبطة بالأسلحة والعمليات الميدانية، في وقت تسعى فيه حركة الشباب إلى تعزيز ترسانتها وتوسيع مصادر تسليحها. وتعيد هذه العلاقة إلى الواجهة المخاوف من انتقال تقنيات الطائرات المسيّرة والمتفجرات إلى تنظيمات تنشط في بيئات أمنية مضطربة، وما قد يترتب على ذلك من تصاعد الهجمات المسلحة وتهديد الموانئ والمنشآت الحيوية وحركة السفن في خليج عدن والمحيط الهندي. وكانت تقارير أمنية يمنية تحدثت عن دور شخصيات حوثية في إدارة الاتصالات مع مجموعات أفريقية، من بينها عبدالواحد ناجي أبو راس، الذي ورد اسمه في تقرير نشره مرصد مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال عام 2024، باعتباره من الشخصيات المرتبطة بملف التوسع الخارجي للجماعة.
الحرس الثوري وحسابات طهران
ويحضر الدور الإيراني في خلفية هذا التمدد، من خلال الدعم العسكري والتقني والارتباطات التي تجمع الحوثيين بالحرس الإيراني. وتمنح هذه العلاقة طهران قدرة على التأثير في التوازنات الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر، خصوصاً مع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع أهمية الممرات البحرية في حسابات المواجهة. وتشير تقارير أممية إلى استمرار نشاط عناصر وخبراء أجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتقديم المشورة الفنية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تحتفظ الجماعة بأجهزتها المحلية المسؤولة عن إدارة العمليات والتحركات الميدانية. ومن خلال هذا التداخل، تتسع قدرة إيران على ممارسة الضغط عبر حلفائها المسلحين، مع بقاء مستويات مختلفة من المسؤولية المباشرة عن الأنشطة المنفذة على الأرض. وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الترابط الاستراتيجي بين مضيقي هرمز وباب المندب، إذ يشكل أي اضطراب متزامن في الممرين تهديداً واسعاً لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية، ويضع أمن الملاحة الدولية أمام تحديات تتجاوز حدود الصراع اليمني.
الحديدة والضفة الأفريقية
تحتل الحديدة موقعاً هاماً للغاية في حسابات الحوثيين، بحكم إشرافها على البحر الأحمر وارتباطها بالطرق الداخلية المؤدية إلى مناطق سيطرة الجماعة. وتمنحها هذه الجغرافيا أهمية عسكرية ولوجستية، خصوصاً مع استمرار المواجهات على امتداد الساحل الغربي. وعلى الضفة الأفريقية، تتيح السواحل الممتدة من إريتريا إلى الصومال مسارات بحرية متعددة، تتداخل فيها الأنشطة التجارية المشروعة مع شبكات تهريب السلاح والبشر. وتوفر هذه البيئة فرصاً للجماعات المسلحة والوسطاء غير النظاميين، مستفيدين من تفاوت القدرات الرقابية والتحديات الأمنية في بعض المناطق. وفي السودان، تضيف الحرب المستمرة وتعقيدات السيطرة على الموانئ والطرق البرية تحديات جديدة إلى أمن البحر الأحمر، فيما تمنح الجغرافيا الإريترية، القريبة من باب المندب، أهمية خاصة لأي نشاط عابر للسواحل. وتثير هذه المعطيات مخاوف من توظيف المناطق الهشة أمنياً في بناء شبكات إمداد وارتباطات مسلحة، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى مراقبة حركة الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام العسكري بين ضفتي البحر الأحمر.
«فجر اليمن» ومستقبل الشبكات الحوثية
ومع استمرار عملية "فجر اليمن"، تتجه الأنظار إلى قدرة القوات الحكومية على إضعاف البنية العسكرية للحوثيين، وتأمين المناطق المستعادة، وقطع طرق الإمداد التي تساعد الجماعة على تعويض خسائرها. وتكتسب التطورات في الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباط هذه الجبهات بخطوط الحركة والإمداد والمواقع العسكرية التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة عملياتها. وفي المقابل، تضع الضغوط الميدانية المتزايدة الحوثيين أمام تحديات تتعلق بالمحافظة على قدراتهم العسكرية وشبكاتهم الخارجية، وسط احتمالات اللجوء إلى التصعيد البحري أو توسيع التعاون مع أطراف مسلحة خارج اليمن لتعزيز أوراق الضغط. وتشير هذه التطورات إلى أن معالجة التهديد الحوثي ترتبط بمسارين متوازيين؛ الأول يتصل باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وسيطرتها على أراضيها ومنافذها، والثاني يرتبط بتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمراقبة شبكات التهريب ومنع انتقال الأسلحة والخبرات العسكرية إلى التنظيمات المتطرفة. ومع اتساع رقعة المواجهة في اليمن، تتزايد أهمية القرن الأفريقي في الحسابات الأمنية للمنطقة.