قبل أيام، وفي إحدى القنوات العربية التي تُتهم بالتعاطف مع جماعة الحوثي، وإن حاولت الظهور بمظهر الحياد، قلت إن الحوثيين في نهاية المطاف ليسوا روسيا ولا الصين وإن قدراتهم العسكرية، مهما تضخّمت، تظل محدودة، وإن ترسانتهم من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ليست بلا نهاية.

بدا الاستغراب، وربما الاستهجان، واضحاً على ملامح المذيع، وكأنني ارتكبت خطيئة بالتقليل من قدرات المليشيا التي لا تقهر، كما تحاول بعض وسائل الإعلام تصويرها، بل وترفض حتى التشكيك في الأسطورة العسكرية التي يجري نسجها حول جماعة لا تزال، في نهاية المطاف، مليشيا مسلحة، مهما امتلكت من أدوات الحرب ومهما تلقت من دعم خارجي.

والحقيقة أن الحوثي، منذ حروب صعدة الست وحتى اليوم، يعتمد على نمط عسكري وسياسي يكاد يكون ثابتاً في شنّه هجمات خاطفة وعنيفة، يستهلك خلالها قدراً كبيراً من قدراته، ويضحي بأعداد كبيرة من مقاتليه، ثم يبحث عن هدنة يلتقط خلالها أنفاسه، ويعيد ترتيب صفوفه، ويعوض خسائره، ويثبت مكاسبه الميدانية، قبل أن يستأنف الهجوم من جديد.

لم تتغيّر هذه الاستراتيجية كثيراً، وإنما تغيّرت أدواتها ووسائل تنفيذها. ففي حروب صعدة، كانت الوساطات القبلية ولجان التهدئة تؤدي دوراً مهماً في فترات توقف القتال، وبعض تلك الوساطات لم يكن بعيداً عن شبكات نفوذ الجماعة بل جزءاً أصيلاً منها. أما اليوم، فقد أصبحت التحركات والوساطات الإقليمية والدولية جزءاً من المعادلة التي تحاول الجماعة توظيفها للحصول على الوقت الذي تحتاجه لالتقاط أنفاسها.

فالهدنة في حسابات الحوثي، ليست مدخلاً إلى السلام، وإنما مرحلة أخرى من مراحل الحرب، يجري فيها تحقيق ما تعجز عنه المواجهات العسكرية المباشرة، أو الاستعداد لجولة جديدة منها.

واليوم الحوثي أحوج إلى الهدنة من أي وقت مضى. حيث تمدّد عسكرياً بشكل غير محسوب جيداً وبدافع من مصالح إيران في مناطق واسعة من تعز وغرب اليمن، واندفع نحو مناطق تفتقر فيها الجماعة إلى الحاضنة الاجتماعية والسياسية اللازمة لتثبيت سيطرتها. وهذا التمدد، الذي قد يبدو انتصاراً في الحسابات العسكرية السريعة، يحمل في طياته عناصر ضعفه؛ فكلما اتسعت مناطق انتشاره، ازدادت خطوط إمداده طولاً، وتضاعفت أعباء السيطرة، وأصبحت تجمعاته وتحركاته أكثر عرضة للاستهداف. وقد تعرّضت قواته بالفعل لضربات جوية وعمليات عسكرية مؤثرة، ومقاومة شعبية قد تتحوّل قريباً لانتفاضة مسلحة ضد عناصره الأمنية التي يتركها على عجل لتأمين المدن والقرى التي سيطر عليها.

وفي الوقت ذاته، فإن الاستخدام المكثف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والذخائر يفرض كلفة استنزاف لا يمكن تجاهلها. صحيح أن حجم مخزون الجماعة الحقيقي غير معروف، وأنها تستفيد من شبكات إمداد ودعم خارجي، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الترسانة ليست مورداً لا ينضب، وأن تعويض الأسلحة النوعية ليس بالأمر الذي يمكن افتراض سهولته أو استمراره بلا حدود.

أما على الصعيد السياسي فقد تجاوز اندفاع الحوثي العسكري حدود الحسابات اليمنية، وأثار مخاوف إقليمية ودولية متزايدة، خصوصاً مع تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستهداف المصالح الحيوية في المنطقة. وبذلك لم يعد يواجه خصومه اليمنيين وحدهم، بل بات يضع نفسه أمام احتمالات أوسع من الردع والضغط والمواجهة الدولية وربما تشكيل تحالف دولي واسع على غرار التحالف الدولي لمواجهة داعش.

ويأتي كل ذلك في ظل التوتر المتصاعد حول إيران، واحتمالات تجدّد المواجهات العسكرية الواسعة معها. وأي تحول جوهري يضعف قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين سينعكس بالضرورة على حسابات الحوثي، وربما على قدرته على مواصلة الحرب بالمستوى نفسه.

ليس معنى ذلك أن انهيار الجماعة بات وشيكاً، أو أن قدراتها العسكرية قد استنفدت بالكامل. لكن من الخطأ الفادح أيضاً التعامل معها بوصفها قوة خارقة، أو التسليم بالدعاية التي تريد إقناع اليمنيين والعالم بأنها تمتلك قدرة غير محدودة على الحرب والصمود والتوسع.

الحوثي اليوم في وضع حرج وإن حاول الظهور بمظهر القوة التي تتحدى العالم أجمع؛ لهذا أرى أنه في أحوج ما يكون لتبديل جلده الخشن سريعاً ليرفع راية المظلومية بينما هو في حقيقته لا يبحث عن السلام بقدر ما يبحث عن الوقت. يلهث خلف هدنة تتيح له تحويل مكاسبه العسكرية المزعومة إلى أمر واقع، وإعادة بناء قدراته، وترميم ما أصاب قواته وترسانته من استنزاف، وانتظار ظروف إقليمية أكثر ملاءمة ليعود مجدداً لرفع راية الحرب والقوة المزعومة في تناوب مخل بين إظهار القوة والضعف.

إنها، باختصار، استراتيجية البحث عن استراحة محارب أيديولوجي لا يؤمن بالسلام إلا بالقدر الذي يخدم مشروعه، ولا يتردد في العودة إلى الحرب كلما اعتقد أن الظروف أصبحت مواتية.