ليست أخطر الحروب تلك التي تبدأ بإطلاق النار، بل تلك التي تسبقها سنوات من الإنذارات التي لم يسمعها أحد، وتحذيرات عُدّت مبالغات، ومشروعات توسعية جرى التعامل معها باعتبارها طموحات سياسية قابلة للاحتواء، ومليشيات إرهابية احتضنت وعُدّت حركات تحرر وطنية.
هذا ما يحدث اليوم في منطقتنا، وحدث في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، حين كان هتلر يعيد تشكيل ألمانيا لتصبح آلة عسكرية توسعية، بينما كان كثيرون يرون في التحذيرات من خطره تهويلاً سياسياً لا يستدعي المواجهة.
كانت هناك دولة مارقة اسمها ألمانيا بقيادة هتلر، كما هي إيران اليوم، امتلكتا طاقات هائلة سخّرتاها للمجهود العسكري بدلاً من التنمية الاقتصادية، وقدّمتا الطموحات غير المشروعة على علاقات حُسن الجوار، وكلاهما امتلكا كراهية فائضة ضد جوارهما.
ألمانيا فوّضت «الجستابو» ليكون ذراعها الفاشي في حروبها داخل ألمانيا أو خارجها، وهو يشبه لحد كبير الحرس الثوري الإيراني، وكما كان لألمانيا أطرافٌ داعمة أو حتى دول ومنظمات لم ترَ فيها خطراً حتمياً، فإن هناك من يدافع أو يتبنى وجهة النظر الإيرانية وأذرعها الإرهابية من الحشد إلى الحوثيين وانتهاء بحزب الله.
في يونيو 1940م، كانت البلدان الأوروبية تتساقط الواحدة تلو الأخرى، أمام جيش ألمانيا النازي؛ وكان الزعيم البريطاني تشرشل -وهو خارج الوزارة- يحذّر منذ وقت مبكر من خطر هتلر ومن طموحاته غير المشروعة، لكن لا أحد في العالم -حينها- استمع له، كانوا يظنون أن تشرشل يبالغ، وأنه يعادي (قوى التحرر) التي يمثلها هتلر، لكن ما حذّر منه تشرشل أصبح حقيقة دامية وواقعاً مؤلماً، وأوروبا على وشك أن تصبح مجرد ولايات تابعة للرايخ الألماني.
مثل ذلك حصل لسوريا والعراق واليمن ولبنان، التي سقطت في أيدي الحرس الثوري الإيراني، ومثلما تصدّى تشرشل، كانت السعودية الوحيدة التي تحذّر من الخطر الإيراني وأذرعه في المنطقة.
كانت بريطانيا آخر الحصون المتبقية، وتعد الأيام قبل أن يكتسح جيش ألمانيا شواطئها، بعدما سقطت بلجيكا واحتلت أجزاء واسعة من فرنسا، لكن تشرشل الذي جاء رئيساً للوزراء قبل أيام من اكتمال الاحتلال الألماني لفرنسا، وقف أمام البرلمان البريطاني ملقياً واحدة من أعظم خطب التاريخ.
كان خطابه حماسياً مملوءاً بالشجاعة والتحدي والصمود أمام خطر ألمانيا المحدق، تشرشل كان يعرف أن الخطاب لا يكفي، لكنه اعتبره بوابته نحو العقول والهمم.
تشرشل كان قد حقق للتو نصراً معنوياً بنقل حوالى 300 ألف جندي بريطاني علقوا في فرنسا عبر بحر المانش، بعدما أصدر أمراً عسكرياً لكل القوارب والسفن المدنية بالتوجه للشواطئ الفرنسية ونقل الجيش إلى البر الإنجليزي، وهي واحدة من العمليات المدنية النادرة، ووصفها تشرشل بأنها «معجزة الخلاص».
خطابُ تشرشل كان ملهماً استطاع معه أن يستنهض الأمة البريطانية، ويخرج قوتها بعدما دبّ الوهن فيها بسبب متخاذلين، أو جبناء، أو منتفعين كان همهم الوحيد البقاء على كراسي الوزارات، دون مواجهة الخطر المحدق.
لقد خاض ونستون تشرشل قبل الحرب العالمية الثانية، معارك عدة، كانت تمهيداً لنصره العظيم، جلها مع خصومه في الحزب والبرلمان، وكذلك مع من حاول نخر الجسد البريطاني من الداخل.
لكن ذاكرة البريطانيين والعالم أجمع لن تنسى أبداً خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان البريطاني العام 1940م، قبل خمس سنوات من هزيمة هتلر، ووصف حينها بأنه السكين الذي مزّق خوف الأوروبيين من ألمانيا.
وهنا ملامح من خطابه العبقري الذي صفق له أعضاء البرلمان بحزبيه المحافظين والعمال، ولوّحوا بالمناديل إعجاباً وتأييداً، في تقليد برلماني بريطاني نادر:
(حتى وإن سقطت أجزاء كبيرة من أوروبا، أو وقعت العديد من الدول القديمة والشهيرة في قبضة «الجستابو» وكل أجهزة الحكم النازي البغيضة، فإننا لن نضعف ولن نفشل. سوف نستمر حتى النهاية. سنقاتل في فرنسا، وسنقاتل على البحار والمحيطات، وسنقاتل بثقة متزايدة وقوة متنامية في الجو، وسندافع عن جزيرتنا مهما كان الثمن. سنقاتل على الشواطئ، وسنقاتل في مهابط الطائرات، وسنقاتل في الحقول وفي الشوارع، وسنقاتل في التلال.
لن نستسلم أبداً.. وحتى لو سقطت هذه الجزيرة، أو جزء كبير منها، وهو ما لا أعتقده لحظة واحدة، وكان أهلها يتضورون جوعاً، فإن إمبراطوريتنا وراء البحار، المسلحة والمحمية بالأسطول البريطاني، سوف تستمر في كفاحها، إلى أن يشاء الله، في وقته المناسب، ليتقدّم العالم الجديد، بكل قوته وجبروته، لإنقاذ العالم القديم وتحريره).
ما بين التجربتين «الإيرانية والألمانية»، تبرز قيمة التاريخ، والقيادة والصلابة، لا بوصفها مجرد تجارب عالقة في دفاتر السياسة، بل باعتبارها مقياساً يمكن من خلاله اكتشاف عواقب التأخر في مواجهة الأخطار، وتعيدنا إلى رجلين أدركا مبكراً ما لم يدركه كثيرون، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، ومحمد بن سلمان ولي العهد السعودي، اللذين لم يكتفيا بتحذير العالم من خطرين متشابهين لحد كبير، بل وقاد «الزعيمان» مشاريعهما باختلاف توجهاتها، في لحظتين من أحلك اللحظات المعقدة والمتشابكة في التاريخ الحديث.