أجريت (الثلاثاء) الماضي 27 أكتوبر الانتخابات الإسرائيلية العامة لاختيار كنيست (برلمان) جديد لإشغال 120 مقعداً، وهي جميع مقاعد الكنيست (السلطة التشريعية)، تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة، التي عليها الحصول على الأغلبية المطلقة (61 مقعداً من 120). لم يحصل أي تكتل حزبي أو حزب بعينه على هذه الأغلبية المطلقة (نصف مقاعد الكنيست زائد واحد) أي 61 مقعداً على الأقل. لا الحكومة الحالية بقيادة الليكود ولا المعارضة، تمكن أيهما الحصول على النصاب اللازم لتشكيل الحكومة. كان لزاماً حينئذٍ تشكيل حكومة ائتلافية بين القوى الحزبية في البرلمان الجديد، لتشكيل حكومة جديدة.
المفاجأة الكبرى في هذه الانتخابات حصول تكتل الأحزاب العربية في النطاق الأخضر (عرب 1948)، لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية على سُدس مقاعد الكنيست الجديد تقريباً (19 مقعداً من 120 مقعداً). هناك ثلاثة احتمالات لتشكيل الحكومة الجديدة. الأول: تشكيل حكومة وحدة وطنية من الليكود والمعارضة، وهذا من رابع المستحيلات لعمق الاختلافات السياسية والعقائدية العميقة بين الخصوم الألداء. الثاني: أن يتمكّن أحد التيارين من استقطاب بعض النواب من الأحزاب الصغيرة، ليكمل منهم النصاب اللازم لتشكيل الحكومة. الخيار الثالث: أن يتمكّن أي من التيارين (الليكود والمعارضة) الائتلاف مع القائمتين العربيتين أو إحداهما، لإكمال نصاب تشكيل الحكومة. يبقى خيار آخر: الذهاب لانتخابات جديدة، بعد ثلاثة أشهر.
الرقم العربي أصبح بنتيجة هذه الانتخابات الأخيرة، رقماً صعباً لا يمكن تجاهله عند تشكيل أي حكومة إسرائيلية لاستحالة حصول أي حزب، في أي انتخابات للكنيست، على الأغلبية المطلقة لتشكيل أي حكومة إسرائيلية. لأول مرة في تاريخ الدولة، لم يعد العرب في إسرائيل يتصرفون بسلبية في النظام السياسي الإسرائيلي، ويرضون بالحد الأدنى من المشاركة السياسية ويكتفون بالحد الأدنى من مشاركتهم السياسية، ويقصرون تواجدهم في الكنيست على خدمة دوائرهم في المحليات، دون المشاركة السياسية الفعلية في رسم وتخطيط وإدارة شؤون السياسة العليا، في الأمن والسياسة الخارجية وقضايا موارد الدولة الاقتصادية، ويتركونها للقوى السياسية الصهيونية. هذا ما لا تريده أو بالأحرى تخشاه الأحزاب اليهودية الصهيونية. عندما يصبح النواب العرب رقماً لا يمكن تجاهله في أي مخرجات ذات قيمة سياسية محورية في النظام السياسي الإسرائيلي، فإنه من الصعب تمرير قوانين ضد القضية الفلسطينية، أو سن قوانين تصب في مصلحة أو تقتصر على قضايا إستراتيجية مهمة لليهود، مثل: العمل على قضية يهودية الدولة، أو استباحة حقوق الفلسطينيين، والإعلان أن فصائل فلسطينية بعينها جماعات إرهابية، أو إضفاء شرعية على المستوطنات الصهيونية في الأراضي المحتلة... إلخ.
بهذا الإقبال الكبير للتصويت من قبل الفلسطينيين في الانتخابات الأخيرة، يكون الفلسطينيون قد اقتربوا من وضع حدٍ للجدل الدائر بينهم، في داخل الأرض المحتلة وخارجها، حول مشاركة الفلسطينيين في مؤسسات النظام السياسي الإسرائيلي. هناك من كان وما زال يدعو إلى عدم المشاركة في مؤسسات النظام السياسي الإسرائيلي، حتى لا يضفوا شرعية للاحتلال، ولو كان الثمن الصبر على ممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين، والمساومة على القضية الفلسطينية. بينما يجادل البعض: أن القضية الفلسطينية يمكن خدمة أهدافها، ليس فقط عن طريق المقاومة العنيفة، بل أيضاً بالنضال السياسي من داخل كيان الاحتلال، وهذا ليس بالضرورة يمكن اعتباره مساومة على القضية الفلسطينية.
لقد قرر الفلسطينيون خوض تجربة النضال السياسي من داخل منطقة الخط الأخضر (عرب 1948)، فزادوا من مستوى مشاركتهم السياسية، لمضاعفة نصيبهم في مقاعد الكنيست، حتى تمكّنوا في الانتخابات الأخيرة من مضاعفة وجودهم في الكنيست الجديد، من 10 مقاعد في الكنيست الماضي، إلى 19 مقعداً في الكنيست الجديد، ليجعلوا من أنفسهم رقماً صعباً في النظام السياسي، لا يمكن تصور إبعادهم عن حلبة الحراك السياسي داخل إسرائيل.
هذا التحوّل الإيجابي الجديد في سلوك الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، كان المفاجأة الحقيقية في الانتخابات الأخيرة، يمكن أن يكون من شأنه إحداث نجاحات حقيقية للقضية الفلسطينية، تربك مخططات إسرائيل التخلص من المسألة الفلسطينية بإقامة دولة يهودية خالصة في أرض فلسطين، تاريخياً وجغرافياً، بمكوّناته التضاريسية والإنسانية.
ومع تنامي الحضور العربي في الكنيست، قد تتسع فرص التأثير في التشريعات والقرارات السياسية، بما يعزّز المطالبة بالحقوق والمساواة، ويفرض حضوراً أكبر للقضايا الفلسطينية في المشهد الداخلي الإسرائيلي. غير أن هذا التحوّل يبقى مرهوناً بقدرة القوى العربية على توحيد مواقفها واستثمار ثقلها البرلماني، وتحويل المكاسب الانتخابية إلى نتائج سياسية ملموسة، تفتح آفاقاً جديدة أمام القضية الفلسطينية، وتسهم في تعزيز فرص السلام العادل في المنطقة.