لا تُقاس جاذبية الاقتصاد الوطني بما يتيحه من فرص فحسب، بل بما يوفره من وضوح في الحقوق، واستقرار في التعاملات، وقدرة على الحد من المخاطر. ومن هذا المنطلق، تكتسب موافقة مجلس الوزراء على نظام المعاملات التجارية في جلسته ليوم الثلاثاء الموافق ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٧م أهميتها؛ فهي خطوة متقدمة في تطوير البيئة النظامية للأعمال التجارية، وتعزيز الثقة في السوق، من خلال إطار حوكمة شامل ينظم الأعمال التجارية والمتجر وما يرتبط بهما من التزامات وعقود وأوراق تجارية، ويواكب أفضل الممارسات الدولية. وبحسب ما أعلنته وزارة التجارة، يتألف النظام من 271 مادة، تتناول الأعمال التجارية، والتاجر والمتجر، والتزامات التجار، والسجلات المحاسبية، والعقود التجارية، والأوراق التجارية، بما يشمل الكمبيالات والسند لأمر والشيكات. ويحل النظام محل ثلاثة أنظمة، هي: النظام التجاري، ونظام الأوراق التجارية، ونظام الدفاتر التجارية. وتبرز أهمية هذه الخطوة في جمع موضوعات مترابطة ضمن إطار تنظيمي واحد، بما ييسر الإحاطة بأحكامها وفهم الصلات بينها.
ومع إقرار النظام، يبرز تساؤل لدى بعض أفراد المجتمع: ما علاقته بنظام المعاملات المدنية؟ وهل يعني وجود نظامين للمعاملات تكراراً في التنظيم، أم تخصصاً تقتضيه طبيعة العلاقات التي يتناولها كل منهما؟ وتبدأ الإجابة من التمييز بين وظيفة القواعد العامة ووظيفة الأحكام المتخصصة. فنظام المعاملات المدنية يتناول القواعد العامة للعقود والالتزامات والحقوق، بينما يعالج نظام المعاملات التجارية موضوعات تتصل بخصوصية النشاط التجاري ومتطلباته. ومن ثم، فإن العلاقة بينهما تُقرأ في إطار التكامل، مع مراعاة نطاق كل نظام وأحكامه، لا باعتبار أحدهما بديلًا عن الآخر.
كما أن وصف المعاملات بالمدنية لا يعني بالضرورة قصرها على الأفراد دون المنشآت، مثلما أن الصفة التجارية لأحد الأطراف لا تكفي وحدها للحكم على كل علاقة يدخل فيها. فالفهم المنضبط يقتضي النظر إلى طبيعة المعاملة والنصوص الحاكمة لها، بعيداً عن الاكتفاء بالمسميات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما تضمّنه النظام الجديد من إعادة تعريف التاجر، وتحديد الأعمال التجارية، والتمييز بين ما يكتسب صفته التجارية بممارسته مرة واحدة، وما يستلزم احترافه ليُعد عملاً تجارياً. فوضوح هذه الحدود يمثل مدخلاً مهماً لمعرفة الأحكام الواجبة التطبيق، وفهم الالتزامات المرتبطة بممارسة النشاط.
ومن الأحكام التي أوردتها الوزارة إتاحة ممارسة التجارة لمن بلغ الخامسة عشرة، بإذن من وليّه أو وصيّه أو المحكمة. وهذه الإتاحة ينبغي قراءتها مقرونة بضوابطها؛ فهي ليست إطلاقاً للممارسة دون قيد، وإنما تنظيم لها ضمن الإذن المقرر، بما يفتح مجالاً للمبادرة التجارية في سن مبكرة مع مراعاة الحماية اللازمة.
ولم تقتصر عناية النظام على تحديد صفة التاجر وأعماله، بل امتدت إلى تنظيم علاقته بمحيطه التنافسي؛ إذ يعزّز المنافسة المشروعة، ويتصدّى للإضرار بالمنافس، ويبين حق المتضرر في طلب وقف الضرر والمطالبة بالتعويض أمام المحكمة. وتكمن أهمية هذا الجانب في تأكيد أن التنافس على الفرص ينبغي أن يجري ضمن حدود تحمي الحقوق، وتوازن بين حرية النشاط والمسؤولية عن الممارسات الضارة. وفي جانب توثيق التعاملات، تضمن النظام أحكاماً للسجلات المحاسبية، مع إعفاء بعض فئات التجار من الاحتفاظ بها، وتنظيم حفظها إلكترونياً أو ورقياً باللغة العربية، وإتاحة خيار حفظها بلغة أخرى، وفق ما أوضحته الوزارة. ويستحق هذا الجانب عناية الممارسين؛ لأن فهم متطلبات السجلات ووسائل حفظها جزء من إدارة المنشأة وتنظيم أعمالها، وليس مجرد إجراء شكلي منفصل عن نشاطها. أما العقود التجارية، فقد حظيت بمساحة مهمة في النظام؛ إذ جمع، لأول مرة في وثيقة تنظيمية واحدة بحسب بيان الوزارة، أحكام البيع التجاري، والبيع بالتوريد، والوكالة التجارية، والوساطة. وتظهر القيمة العملية لهذا التنظيم في اتصاله بمعاملات تتكرر في حياة المنشآت، وتتطلب وضوحاً في الالتزامات والمسؤوليات والحقوق المتبادلة.
وهنا تتجلى الصلة بين جودة البناء النظامي وجودة القرار الاقتصادي. فصاحب المنشأة يحتاج، قبل إبرام العقد، إلى معرفة ما يلتزم به وما يستطيع المطالبة به، والمستثمر يحتاج إلى تقدير المخاطر على أساس واضح. وكلما انضبطت هذه الصورة، أصبحت الوقاية من الخلاف جزءاً من بناء المعاملة، بدلاً من تأجيل الأسئلة الجوهرية إلى ما بعد نشوء النزاع. وتحظى المنشآت الصغيرة والمتوسطة بأهمية خاصة في هذا الإطار؛ فالحماية النظامية لتعاملاتها، ووضوح أحكام العقود والوكالة، يمكن أن يساعداها على التخطيط للتوسع بثقة أكبر. غير أن تحقيق هذه الفائدة يقتضي توعية وتثقيفاً عملياً، وشروحاً ميسرة، ومراجعة للعقود والنماذج والسياسات الداخلية، دون تبسيط يخل بدقة الأحكام أو تفسير متعجل يسبق قراءتها المتكاملة. وبحسب ما أعلنته الوزارة، يبدأ العمل بالنظام بعد 180 يومًا من نشره في الجريدة الرسمية.
وتأسيساً على ما سبق، لا تكمن قيمة التطوير التنظيمي في تعدد الأنظمة وحده، بل في إحكام الصلة بينها، ووضوح أثرها في حياة الناس وأعمالهم. وتكامل المعاملات المدنية والتجارية، بهذا المعنى، ليس شأناً فنياً يخص المختصين والمهتمين في المجال النظامي وحدهم، بل يعد ركيزة لسوق أكثر انضباطاً، واستثماراً أكثر اطمئناناً، وبيئة أعمال أقدر على النمو للاقتصاد الوطني، إذ إن الغاية المنشودة ليست تحسين الفصل في النزاع بعد وقوعه فحسب، وإنما جعل الحقوق والالتزامات أوضح قبل نشوئه. وحين يعرف كل طرف ما له وما عليه، تستند الثقة إلى قواعد نظامية معلومة، ويؤدي النظام دوره في حماية الحقوق، واستقرار التعاملات، ودعم التنمية والازدهار.