في عالم سريع الإيقاع، وثورة صناعية متجددة، وذكاء فائق يعد بواقع جديد يقف على أعتابه الإنسان؛ هل يلوح له في الأفق نعيم أم جحيم؟ لقد وصل الإبداع بالإنسان إلى صناعة ذكاء يوازيه أو يفوقه، فاتحاً آفاقاً واسعة للأعمال والفن والشعر والبحث والتعليم. وصار لهذا الذكاء بصمة في كل مكان. لكن، ماذا عن بصمة الإنسان؟

في قطاع الإبداع، إعلاماً كان أم إعلاناً، تزايد الاهتمام بمنتج الذكاء الاصطناعي الفني - صوتاً ونصاً وصورة - بينما يبدو التراجع واضحاً في دور الإنسان في العملية الإبداعية التجارية وصناعة المحتوى الاتصالي المؤسسي؛ إذ أصبحت قنوات الجهات والمؤسسات تضخ المحتوى بكثافة غير مسبوقة، وبقدرات آلية تحاكي الإبداع البشري بدقة تجعل التمييز بينهما عسيراً.

فتح هذا التحول فرصة ذهبية للوكالات الإبداعية ومؤسسات الصحافة الرقمية لإنتاج المزيد، وخفض الأسعار، وتصغير فرق العمل. فاتجهت الميزانيات للاستثمار في امتلاك نماذج الذكاء الاصطناعي، مقابل تقلص مساحة القرار الإبداعي البشري، وإنهاك اليد الإنسانية المشغلة لهذه الأنظمة وحرق طاقاتها كما تحرق «التوكنز».

لقد أصبح من الطبيعي المطالبة بابتكار ثلاثة إلى أربعة نماذج إبداعية أولية للمهمة الواحدة، لمجرد الاطلاع على القدرات الممكنة! وعلى الأغلب، لن يعجب صاحب الطلب أي منها، ليطلب مجموعة «أولية» أخرى في وقت قياسي يجعل من المستحيل إتقان العمل بصورة بشرية. صار المبدع مؤتمتاً على تنفيذ أكبر عدد من المهام، بأقل قدر من الأخطاء، مع تحمل كامل المسؤولية؛ وحرم من قراره الإبداعي، ومن إمكانية وضع بصمته التي تستحق أن يتحمل مسؤوليتها.

ما بين الثورة الصناعية الرابعة والخامسة

ليس جديداً على العالم هذا الاستغلال؛ فعندما دخلت الآلات الثقيلة إلى المصانع لم يرتح الإنسان، بل خلقت طبقية رأسمالية جديدة وتغير تعريف الحياة اليومية والاجتماعية والمهنية. وصار بعض أصحاب الأعمال لا يهتمون إلا بمكاسبهم على حساب الوقت الذي حظي به الإنسان نتيجة دخول الآلة، فصار مطالباً بإنتاجية أعلى لتعظيم الأرباح.

ويفسر هذا مفهوم رئيس في كلاسيكيات الاقتصاد الماركسي: «تكثيف العمل»؛ وهو أن يطالب العامل بإنتاج المزيد ضمن نفس نطاق الوقت الذي كان ينتج فيه أقل وبذات الأجر. يدعى هذا بالتكثيف الكمي، وهناك تكثيف آخر نوعي، ولكني أركز على الكمي لما ألمس فيه من ثغرات خطيرة في عصرنا تلتف على تشريعات العمل وحقوق العمال، وفي هيكلة بيئات العمل والأجور والمهام المناطة بكل موظف.

الصراع بين الإنتاج الإنساني والإنتاج التوليدي للإبداع

لم أكن يوماً من المتخوفين من قدرة الذكاء التوليدي على استبدال الفن البشري، ولا أظنني سأفعل؛ إذ يمكنني من واقع التخصص التفريق والتقييم وتقدير الإبداع المؤتمت ومعرفة ما يقف خلفه من روح وشعور إنساني. فالذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة فنية جديدة، يمكن تشبيهها بالريشة الرقمية في «فوتوشوب» عوضاً عن الريشة الفيزيائية التقليدية.

لكن في جانب آخر، يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي أقدر وأجدر على تقييم العمل الإبداعي! فهو الذي يعرف ما يدور في ذهن صاحب طلب التقييم، ويتحيز معه ويؤيد مخاوفه أو تطلعاته دائماً.

إن ما جعلني أفكر في هذا الأمر ملياً هو ملاحظتي للتراجع الصحي لدى موظفين مؤتمتين على استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد بإمكانهم أخذ يوم راحة أسبوعية ولا أمسية منزلية هنية إلا ويأتيهم تكليف جديد بإنتاج المزيد لتلبية هذا الطلب المفرط والعشوائي.

فمن ينصف موظفاً يواجه ضغوطاً وظيفية متواصلة، وتكليفات مكثفة في أوقات ضيقة، قد تنعكس سلباً على صحته النفسية والجسدية.

كيف جعلنا من الإنسان آلة، ومن الآلة إنساناً يحكم ويقدر قيمة العمل والإبداع؟ وأين سنصل إذا استمرت ممارسات بعض أصحاب الأعمال في استنزاف القدرات البشرية وتسخيرها لتحقيق مصالحهم؟ وكيف نتمكن من تطوير الأنظمة واللوائح بحيث لا يحتالون عليها؟ ومتى نعيد الاعتراف بالإنسان كإنسان في عالم رأسمالي قائم على الذكاء الاصطناعي؟