حين جلس ممثلو السعودية وباكستان وتركيا إلى طاولة الحوار في طهران، كانت المنطقة تقف أمام احتمال عودة التصعيد العسكري، وكانت فرصة السلام تحتاج إلى من يحميها من الانهيار.
في تقديري، هذه هي الزاوية التي تمنح الاجتماع أهميته: ثلاث دول ترتبط باتفاقية مكة للدفاع المشترك تتحرك بثقلها السياسي والأمني لدعم التهدئة، والمساهمة في نزع فتيل أزمة قد تتجاوز تداعياتها أطراف المواجهة إلى المنطقة والعالم.
ولم يكن مستوى التمثيل تفصيلًا عابرًا. فحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى جانب مسؤولين إيرانيين في مقدمتهم الرئيس مسعود بزشكيان، يعكس إدراكًا لحساسية اللحظة وأهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة على أعلى المستويات.
لقد جاءت الزيارة امتدادًا للجهود الدولية والإقليمية الساعية إلى خفض التوتر، وفي مقدمتها الوساطة القطرية الباكستانية. وهي جهود تحتاج إلى دعم سياسي وإرادة جادة من الأطراف المعنية، حتى تتحول فرص التهدئة إلى مسار عملي قادر على إنهاء الأزمة ومنع عودة التصعيد.
وأعتقد أن اجتماع طهران يكشف عن جانب مهم في دور دول اتفاقية مكة: الجمع بين حماية أمنها ومصالحها، والعمل الدبلوماسي من أجل استقرار المنطقة. فالقوة التي تملك القدرة على الدفاع عن أمنها تستطيع أيضًا أن تصنع مساحة للحوار، وأن تدفع باتجاه حلول تراعي مصالح دول المنطقة وهواجسها الأمنية.
ومن هنا، فإن الاتفاق على مواصلة المشاورات بشأن السلام والأمن الإقليميين يمثل خطوة مهمة، تفتح المجال أمام بناء الثقة وتطوير الحوار، وصولًا إلى تفاهمات تعزّز الاستقرار وتراعي مصالح دول المنطقة.
وتكتسب هذه الخطوة معناها الأوسع حين ترتكز على احترام سيادة الدول وأمنها، ومعالجة مصادر القلق، والتعامل مع تهديدات الجماعات المسلحة التي تقوّض الاستقرار وتعرّض أمن الملاحة وخطوط إمدادات الطاقة للخطر.
وهذه قضية تتجاوز حسابات المنطقة وحدها. فالممرات البحرية الآمنة وإمدادات الطاقة المستقرة تمثلان مصلحة دولية، وأي اضطراب فيهما يترك أثره في الاقتصاد العالمي وحياة ملايين البشر.
أما الملف النووي، فيبقى جزءًا من المشهد الأوسع للأزمة، وتحتاج معالجته إلى مفاوضات جادة وضمانات تتيح الوصول إلى تفاهم مستدام. ويمكن للتهدئة الإقليمية أن تمنح هذا المسار فرصة أفضل، إذا وجدت استعدادًا حقيقيًا من طهران للتعاطي الإيجابي مع جهود الوساطة.
وفي الداخل الإيراني، تبدو الحاجة إلى الاستقرار أكثر إلحاحًا. فالضغوط الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى حياة الناس وفرصهم وتطلعات الأجيال الجديدة.
إن انخراط إيران في مسار السلام، واندماجها في الاقتصاد الإقليمي، يمكن أن يفتحا أمامها فرصًا أوسع للتجارة والاستثمار، ويعيدا بناء علاقاتها مع جوارها على أساس المصالح المتبادلة. ومع الوقت، قد ينعكس ذلك على صورتها أمام العالم، ويمنحها موقعًا أكثر تأثيرًا في صناعة مستقبل المنطقة.
هذا المسار يتيح لإيران صون مصالحها عبر شراكات مستقرة وثقة متبادلة، ويحتاج إلى رؤية سياسية ناضجة تتجاوز حسابات اللحظة، وتنظر بأفق أرحب إلى ما تحتاجه البلاد اليوم، وإلى المستقبل الذي تستحقه أجيالها القادمة.
لقد وضعت دول اتفاقية مكة ثقلها إلى جانب الجهود الدولية الرامية إلى تجنيب المنطقة جولة جديدة من التصعيد. واتفقت مع إيران على مواصلة الحوار، في خطوة تفتح الباب أمام بناء الثقة وتعزيز الاستقرار.
أمام طهران اليوم فرصة ثمينة قد يصعب تكرارها؛ فرصة لإعادة ترتيب علاقاتها مع جوارها، والانخراط في صناعة السلام، وفتح آفاق أوسع لاقتصادها ومستقبل أجيالها.
ويبقى السؤال: هل تلتقط طهران الرسالة، وتختار المستقبل؟