عندما وجّه «إبرهة الأشرم» جيوشه قادماً من اليمن باتجاه مكة المكرمة، لم يكن لديه أي مبرر عسكري للحرب، فلا قريش هاجمته في دياره، ولا أبناء القبائل العربية الأصيلة اعتدت على مملكته في صنعاء، كانت أسبابه تتعلق بفكرة إيقاف النهوض السريع لمكة.
إنها حرب واحدة ضد الجزيرة العربية وأهلها وقبائلها ودينها وبيتها المحرّم منذ معركة الشاه الفارسي «شابور ذو الكتاف» 325م، ثم فيل «إبرهة الأشرم» 570م، وصولاً إلى حرب «الحوثي» على مكة المكرمة اليوم.
لقد كانت العقدة الكبرى في التعامل مع الجزيرة العربية هي: كيف يكون للعرب كعبة مشرّفة يحج إليها الناس، وكيف تحوّلت مكة من قرية تهامية بسيطة إلى عاصمة دينية عالمية في تلك الحقبة -وما زالت، ازدهرت أعمالها، وتطورت تجارتها، بل وبنت حلفاً تجارياً إقليمياً واسعاً أسمته «الإيلاف»، وهو ما انعكس بالتالي على بقية جغرافيا الجزيرة العربية تجارة وتحضراً وقيماً.
لقد كانت الكراهية والغيرة والأحقاد هي من يحرك جيش إبرهة، وهي نفسها من تحرك أعداء جغرافيا الجزيرة العربية التي تشكّل السعودية 80% منها.
لكن إبرهة لم يكن الأول فقبله قام الملك الفارسي «شابور ذو الأكتاف»، أو من يسمى «سابور بن هرمز»، بقيادة حملة عسكرية كبرى ضد أبناء الجزيرة العربية سنة 325م، استهدف فيها الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، وقام خلالها بقتل أبناء قبائل عبدالقيس، وبكر بن وائل، وتميم، واستخدم ضدهم جرائم إبادة قاسية، أما الأسرى فلاحقهم حتى شارف وصوله غرب الجزيرة، وكان يثقب أكتافهم أو يخلعها ويوثقها بالحبال، فلقّبته العرب بـ«ذي الأكتاف».
وهنا أيضاً كان الهدف من حربه منع أبناء الجزيرة العربية من التجارة وبناء مجتمعات متحضرة.
لم تتوقف الحروب ضد أقاليم الجزيرة العربية، وكانت الكراهية هي المحرك الأساس، وبقيت تتجذر وتتعمّق وتتوارث فنشأت الشعوبية التي استهدفت إنسان الجزيرة العربية تحديداً، وحرمته من الوظيفة والتعلم، وحاولت أن تبقيه في طبقة الجهل والمرض والجوع داخل أسوار مجتمعاته المحلية.
وفي 1514م، نشأ تحالف سياسي وعسكري بين الإمبراطورية البرتغالية والدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الأول، حيث قام هذا التحالف على مبدأ السيطرة على الممرات التجارية والمقدسات الإسلامية، حين قام التحالف الصفوي البرتغالي باستهداف مكة المكرمة، وأرسل حملتين عسكريتين على جدة تمهيداً للوصول إلى الكعبة المشرّفة وهدمها، وهو ما يحصل اليوم.
وما إن أسّس الإمام محمد بن سعود أول دولته السعودية الأولى، أول دولة مركزية في الجزيرة العربية منذ عهد الخلافة الراشدة، حتى عادت مخاوف «تحالف الأعداء» من نهضة «الوحش النائم» ونقصد بها هنا الجزيرة العربية.
ولذلك تواطأ على الإمام محمد بن سعود وعلى دولته الناشئة الأعداء من دول إقليمية حينها، وقوى مسيحية أوروبية، فجيش «محمد علي باشا» وابنه إبراهيم، الذي جاء غازياً للجزيرة العربية ومستهدفاً عاصمتها «الدرعية»، لم يأتِ لوحده بل استعان بخبراء أوروبيين، إذ يورد المؤرخ الفرنسي فيليكس مانجان في مؤلَّفه الشهير «تاريخ مصر في عهد محمد علي» قوله: «من بين التجهيزات المهمة لجيش الباشا، كان هناك لواء أوروبي من الأطباء والجراحين، ومن بينهم الطبيب أنطونيو سكوتو، والجراحان أندريا جينتيلي وتيديسكيني، والصيدلي سوشيو... وخلال المعارك تحت أسوار الدرعية، أصابت قذيفة مدفعية أطلقها المدافعون عن المكان ساق الجراح جينتيلي، مما اضطر زملاءه إلى بترها في ميدان المعركة».
وعن الخبراء العسكريين يقول أيضاً: «لم يكن إبراهيم باشا يولي أي اهتمام لآراء -الخبير العسكري الفرنسي- فاسيير في بداية الحملة، ولكن بعد الخسائر الفادحة التي تكبّدها أمام مدينة الرس، عهد إليه بإدارة العمليات العسكرية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الباشا منفذاً للخطط والتكتيكات التي أعدها فاسيير والضباط الأوروبيون.. ولا سيما في توجيه المدافع نحو شقراء وضرما وحتى حصار الدرعية».
إذن نحن أمام حرب كراهية طويلة وممتدة ضد جزيرة العرب، جذورها في فارس وفروعها بين يدي الحوثي، بدأها الشاه «شابور ذو الاكتاف»، وتبعه إبرهة، ثم محمد علي باشا، والآن الحوثي الذي يسير على ما سار عليه أجداده الفرس والأحباش، مستهدفاً الكعبة المشرّفة، محاولاً إعادة إنتاج معركة «الفيل» التي لم تنجح، لهدم الكعبة والقبة الشريفة، وتعطيل التعبّد في الحرمين الشريفين، وصولاً إلى إفشال نهضة وتحضر السعودية، وريثة معظم جغرافيا الجزيرة العربية.