تتجه إسرائيل إلى انتخابات تشريعية بعد أربعة أيام، في أول استحقاق برلماني منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وسط انقسامات سياسية ومجتمعية عميقة، وتزايد التساؤلات بشأن مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى تمديد بقائه في السلطة بعد سنوات شهدت حروباً متعددة وتوترات داخلية غير مسبوقة.
وتكتسب الانتخابات المرتقبة أهمية استثنائية، إذ تتجاوز المنافسة التقليدية بين الأحزاب إلى اختبار شعبي لسياسات نتنياهو ومستقبل التحالف اليميني الحاكم، في ظل تصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة، واتساع الخلافات بشأن هوية الدولة واتجاهاتها السياسية.
ولا تزال تداعيات هجوم السابع من أكتوبر تلقي بظلالها على المشهد الإسرائيلي، بعد أن تحول إلى نقطة فاصلة في تاريخ البلاد، وأشعل حرباً مدمرة في قطاع غزة، تركت آثاراً سياسية وأمنية واجتماعية عميقة. وتبقى صور القتلى والرهائن حاضرة في الشوارع والأماكن العامة، فيما أصبح انتشار السلاح بين المدنيين أحد المظاهر المرتبطة بالتحولات الأمنية التي أعقبت الهجوم.

نتنياهو يراهن على الحروب

ويخوض نتنياهو الانتخابات مستنداً إلى سجله في إدارة المواجهات العسكرية، بعدما وسعت حكومته نطاق عملياتها لتشمل قطاع غزة ولبنان وإيران، إلى جانب تعزيز الوجود الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل، تحت شعار إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن هذه السياسات وضعت إسرائيل أمام تحديات سياسية ودبلوماسية متزايدة، خصوصاً مع استمرار التداعيات الإنسانية للحرب في غزة، وما خلفته من دمار واسع وأزمة إنسانية حادة، أسهما في تراجع صورة إسرائيل دولياً وتوتر علاقاتها مع عدد من حلفائها الغربيين.
وزادت الضغوط على نتنياهو بعد صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، في تطور أضاف بعداً قانونياً دولياً إلى التحديات التي تواجه حكومته.
وعلى الصعيد الداخلي، لم يحظى بالتأييد الواسع للأهداف المعلنة للحرب إلى تجاوز الانقسامات السياسية، بل تعمقت الخلافات بشأن إدارة العمليات العسكرية ومسؤولية القيادة عن الإخفاقات الأمنية، بالتزامن مع تنامي تأثير الأحزاب اليمينية المتطرفة داخل الائتلاف الحاكم.

اليمين المتطرف يعمق الانقسام

وشهدت السنوات الأخيرة توسعاً في النشاط الاستيطاني بالضفة الغربية المحتلة، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين على الفلسطينيين، وسط انتقادات لمحدودية تدخل السلطات الإسرائيلية لوقف تلك الاعتداءات.
وبرز وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بوصفه أحد أبرز وجوه التيار اليميني المتشدد، الذي يسعى إلى تعزيز الطابع الديني والقومي للدولة، مستفيداً من موقعه داخل الائتلاف الذي أعاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في ديسمبر 2022.
ويرى مراقبون في الداخل أن الانتخابات تتصل بمستقبل الدولة الإسرائيلية نفسها، محذرين من التداعيات التي قد تنشأ، عندما تتراجع قدرة مؤسسات الدولة على احتكار استخدام القوة.

ملفات الفساد والإصلاح القضائي

ولا تنفصل المعركة الانتخابية عن الأزمات الداخلية التي سبقت حرب غزة، وفي مقدمتها محاكمة نتنياهو في قضايا فساد، ومحاولات حكومته إدخال تعديلات واسعة على النظام القضائي، أثارت احتجاجات جماهيرية تعد من الأكبر في تاريخ إسرائيل.
وكانت تلك التحركات قد كشفت عن انقسام عميق بين أنصار الحكومة ومعارضيها، بشأن استقلال القضاء وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية، قبل أن يأتي هجوم أكتوبر ليعيد ترتيب الأولويات السياسية والأمنية.
ويواجه نتنياهو، الذي أتم عامه الـ77 في 21 أكتوبر الجاري، تحدياً جديداً للحفاظ على موقعه الذي شغله لأكثر من 19 عاماً على فترات متقطعة، ليصبح أطول رؤساء الحكومات بقاءً في السلطة بتاريخ إسرائيل.

المعارضة تراهن على إسقاط نتنياهو

في المقابل، تسعى أحزاب المعارضة إلى استثمار حالة الاستياء من أداء الحكومة، عبر اصطفاف سياسي يجمع قوى مختلفة لا تتفق بالضرورة على برنامج موحد، بقدر اتفاقها على ضرورة إنهاء حكم نتنياهو.
ويبرز رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، باعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين، وفق استطلاعات الرأي، إذ يحاول تقديم نفسه بديلاً سياسياً قادراً على استقطاب الناخبين الوسطيين، وتخفيف حدة الانقسام الداخلي.
ويركز آيزنكوت وقادة المعارضة على تحميل نتنياهو المسؤولية السياسية عن الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر، معتبرين أن استمرار حكومته يعرقل معالجة الأزمات التي كشفتها الحرب.
وتحمل المواجهة بين الطرفين أبعاداً شخصية أيضاً، بعدما فقد آيزنكوت نجله خلال المعارك في قطاع غزة، فيما ظل يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء، مثار جدل بسبب مواقفه ونشاطه على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو إسرائيل أمام انتخابات لا تقتصر نتائجها على تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل قد ترسم ملامح المرحلة السياسية القادمة، وتحدد اتجاه العلاقة بين المؤسسات الإسرائيلية والتيارات الدينية والقومية، فضلاً عن مستقبل السياسات العسكرية والأمنية في المنطقة.
ويبقى السؤال الأبرز، ما إذا كان نتنياهو سينجح مجدداً في تحويل الأزمات والحروب إلى رصيد انتخابي يضمن استمراره في السلطة، أم أن تداعيات السابع من أكتوبر والانقسامات الداخلية ستنهي أطول مسيرة سياسية في رئاسة الحكومة الإسرائيلية.