شهدت مواقع حكومية وخدمية في عدد من الدول الأوروبية ومناطق أخرى اضطرابات وانقطاعات، مساء (الأربعاء)، عقب الكشف عن ثغرات أمنية خطيرة في لغة البرمجة «PHP» المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل المواقع الإلكترونية، ما دفع مؤسسات وهيئات إلى تعطيل خدماتها مؤقتاً كإجراء احترازي، وسط تحذيرات من استغلال القراصنة لهذه الثغرات في هجمات إلكترونية واسعة.
وأصدر مطورو لغة PHP تحديثات أمنية عاجلة لمعالجة الثغرات التي ظلت مخفية في الشيفرة البرمجية لسنوات طويلة، قبل اكتشافها بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي.
ودعا المطورون جميع المستخدمين إلى تثبيت التحديثات الجديدة فوراً، في وقت حذّرت فيه شركات تقنية وأمن سيبراني من أن بعض الجهات المهاجمة بدأت بالفعل محاولات لاستغلال نقاط الضعف المكتشفة.
ومع نشر الإصلاحات الأمنية وإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الثغرات وإعادة بناء آليات استغلالها، يتسابق مسؤولو الأنظمة لتأمين خوادمهم قبل أن يتمكن المهاجمون من استغلالها.
وقال كوستين رايو، الشريك المؤسس لشركة «TLP:Black» المتخصصة في أبحاث الأمن السيبراني والاستجابة للحوادث، إن الذكاء الاصطناعي يغذي «سباقاً للاستغلال»، محذراً من أن المرحلة التالية قد تشهد اختراقاً واسع النطاق للخوادم المعرضة للخطر على الإنترنت.
ثغرات تهدد جزءاً واسعاً من البنية التحتية للإنترنت
وتُعد PHP من لغات البرمجة القديمة نسبياً، إذ تعود بداياتها إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكانت الأحرف الأولى من اسمها تشير في الأصل إلى عبارة «الصفحة الرئيسية الشخصية»، وتُستخدم اللغة على نطاق واسع لتشغيل المواقع الإلكترونية، كما تشكل جزءاً أساسياً من أنظمة إدارة المحتوى الشهيرة، مثل «ووردبريس» و«دروبال» و«جوملا» و«ماجنتو».
وتكمن خطورة الثغرات المكتشفة في اتساع نطاق استخدام اللغة، ما يعني أن الأنظمة غير المحدثة قد تصبح هدفاً لهجمات تستغل نقاط الضعف للوصول إلى الخوادم أو التأثير في الخدمات التي تستضيفها.
وقالت تيفاني فارس، الرئيسة التنفيذية المؤقتة لجمعية دروبال، إن الخوادم التي تستخدم إصدارات من PHP صدرت خلال العشرين عاماً الماضية قد تكون معرضة للخطر، مشيرة إلى أن المشكلة تمس جزءاً كبيراً من الإنترنت.
ودعت وكالات الأمن السيبراني حول العالم مستخدمي اللغة إلى تثبيت التحديثات الأمنية فوراً، أو تعطيل المواقع مؤقتاً إلى حين تطبيق الإصلاحات اللازمة.
وبحسب بيانات شركة «Censys» المتخصصة في استخبارات الإنترنت، فإن نحو 1.5 مليون خادم من أصل 2.6 مليون خادم ترصدها البيانات كانت تعمل بإصدارات من PHP لا يتوافر لها إصلاح أمني، ما يسلط الضوء على اتساع نطاق الأنظمة التي قد تحتاج إلى تدخل عاجل.
مواقع حكومية وخدمية خارج الخدمة
في هولندا، أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني تعطيل خدماته الإلكترونية مؤقتاً كإجراء احترازي، كما اتخذت مؤسسات أخرى خطوات مماثلة لحماية أنظمتها.
وشملت الإجراءات مواقع ميناء روتردام، والبوابة الحكومية «Overheid.nl»، والاتحاد الهولندي لكرة القدم، إلى جانب مواقع أكبر خمسة أحزاب سياسية في البلاد وعدد من المواقع التابعة للمستشفيات.
كما أعلنت مؤسسة «ويكيبيديا» المشغلة للموسوعة الإلكترونية أنها أوقفت عدداً غير محدد من الأنظمة إلى حين التأكد من إمكانية تحديثها بأمان، فيما أفادت مؤسسة «Internet Archive»، التي تدير مكتبة رقمية ضخمة، بأنها أوقفت خدماتها لفترة وجيزة للتعامل مع المشكلة.
وفي الدنمارك، أعلنت شركة «Kombit» المتخصصة في خدمات تقنية المعلومات للبلديات إيقاف عدد من الخدمات، من بينها المنصة الوطنية للتواصل المدرسي.
أما في فنلندا، فقالت شركة «Valtori» الحكومية المسؤولة عن خدمات تقنية المعلومات إن خدمات الشبكة العامة الحكومية أُوقفت احترازياً.
وفي فرنسا، أعلنت وزارة الداخلية وضع جميع مواقعها الإلكترونية في حالة صيانة وقائية، في إطار الإجراءات الرامية إلى الحد من مخاطر استغلال الثغرات.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى مسؤولين حكوميين؛ إذ قال رئيس الوزراء الهولندي إنه يتابع التطورات عن كثب، فيما دعت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، في منشور على منصة «إكس»، مالكي المواقع الإلكترونية إلى التحقق مما إذا كانت مواقعهم تستخدم PHP والاستعداد لتطبيق الإصلاح الأمني الجديد.
الذكاء الاصطناعي وراء اكتشاف الثغرات
وأفادت شركتا الأمن السيبراني «Calif» و«Wiz» بأن الثغرات اكتُشفت بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، في تطور يعكس الدور المتنامي لهذه التقنيات في تحليل الشيفرات البرمجية واكتشاف نقاط الضعف الأمنية.
وقالت «Calif» في تدوينة إنها اكتشفت الثغرات في الأول من أغسطس بمساعدة نموذج لغوي كبير، وبدأت العمل على معالجتها منذ ذلك الحين.
من جانبها، أوضحت «Wiz»، التابعة لشركة «ألفابت»، أنها استخدمت أداة «Wiz Atlas» المخصصة لأبحاث الثغرات الأمنية المستقلة، إلى جانب نماذج ذكاء اصطناعي شملت «Gemini 4 Argon» و«GPT-5.6 Sol»، وفقاً لما ورد في تقريرها.
وأشارت الشركة إلى أن الثغرات ظلت مخفية في الشيفرة البرمجية لـPHP لأكثر من عقد من الزمن، وأن استغلالها كان سيتطلب عملاً يدوياً بالغ التعقيد من جانب الباحثين أو المهاجمين قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأضافت الشركتان أنهما نسّقتا جهودهما مع بعضهما ومع فريق PHP وشركة «OpenAI» بشأن اكتشاف الثغرات.
وقال البيت الأبيض إنه أُبلغ بالثغرة (الجمعة)، وفقاً لبيان صادر عنه.
محاولات استغلال قبل الإعلان الرسمي
وفي مؤشر على احتمال بدء محاولات الاستغلال قبل الكشف العلني عن الثغرات، قال سي جيه موزيس، رئيس الأمن في شركة «أمازون»، إن فريق الشركة رصد محاولة لاستهداف أحد أنظمة الطُعم الأمنية التابعة لها في 17 أكتوبر، أي قبل أربعة أيام من الإعلان العام عن المشكلة.
وأوضح موزيس، في تدوينة نُشرت مساء (الأربعاء)، أن المحاولة جاءت من عنوان مجهول على الإنترنت، ما يشير إلى نشاط جهة تهديد محتملة، لكنه أشار إلى أن الشركة لم تتمكن من تحديد كيفية معرفة المهاجمين بالثغرات خلال فترة حظر الإفصاح عنها.
وأضاف أن محاولات أخرى نفذتها جهات متعددة رُصدت (الأربعاء)، قبل رفع قيود الإفصاح، مشيراً إلى أن أمازون لم تتمكن من التأكد مما إذا كانت تلك المحاولات ستنجح ضد مواقع حقيقية.
ومع ذلك، قالت الشركة إن الثغرات أصبحت تُستغل على نطاق واسع في هجمات فعلية عبر الإنترنت، ما يعزز الحاجة إلى الإسراع في تحديث الأنظمة المتأثرة.
تحذيرات من موجة اختراقات واسعة
وتُظهر بيانات شركة «W3Techs» المتخصصة في تتبع تقنيات الويب أن PHP تُستخدم في نحو 75% من المواقع التي يمكن تحديد لغة البرمجة المستخدمة فيها، وهو ما يفسر المخاوف من اتساع نطاق الأضرار المحتملة إذا بقيت الخوادم دون تحديث.
وقال لوكاش أوليجنيك، الباحث الزائر البارز في كلية كينغز لندن، إن حجم الأنظمة المتأثرة كبير، وإن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي قد تجعل استغلال الثغرات أسرع بكثير.
وفي المقابل، أعلنت شركة «Automattic»، المشغلة لخدمة «WordPress.com»، أن مستخدمي حلول الاستضافة التي توفرها الشركة وخدمة «Tumblr» غير معرضين للثغرة المعنية، وفقاً لبيانها.
وتتركز المخاطر بدرجة أكبر على المواقع الصغيرة التي يديرها أفراد أو مؤسسات محدودة الموارد التقنية، خصوصاً المواقع المستضافة على خوادم مشتركة لا يملك أصحابها صلاحية إدارة البنية التحتية الأساسية أو تحديثها بأنفسهم.
وتسلط الأزمة الضوء على التحدي المتزايد الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني؛ فالتقنيات التي تساعد الباحثين على اكتشاف العيوب البرمجية ومعالجتها يمكن أن تتيح للمهاجمين أيضاً تحليلها بسرعة وتطوير وسائل لاستغلالها.
وفي ظل اتساع استخدام PHP واعتماد عدد كبير من المؤسسات على أنظمة قديمة، يبقى تحديث البرمجيات المتأثرة والتحقق من سلامة الخوادم من أبرز الخطوات العاجلة للحد من مخاطر الاختراقات وتعطّل الخدمات الرقمية.