تظل الأمومة أكثر العلاقات الإنسانية تفرداً وأشدها التصاقاً بالروح، إنها تجربة إنسانية تعيد تشكيل المرأة من الداخل وتمنح الحياة معنى آخر، وكلما ظننا أن الحديث عن الأمومة قد استوفى معانيه، اكتشفنا أن في تفاصيلها ما يستحق أن يروى من جديد.

تبدأ الحكاية هناك في العتمة الدافئة التي تشكلت فيها تلك المضغة وهي تتشبث بحبل الحياة، الذي لم يكن من لحم ودم فقط، بل هو بوتقة من المشاعر الجديدة والسيالات الرقيقة التي تتدفق من تحت المهاد إلى شغاف القلب، لتبدأ رحلة الوهن قسراً وأدق ما توصف به أنها التعب اللذيذ والثقل المريح، الذي يتمازج معه عالمٌ واسعٌ من المشاعر وبداية علاقة من الحب والحنان التي تنمو تباعاً وإلى حين اللقاء، فالحبل السري قُطِع مجازاً ولكنه فعلاً اشتد وثاقه في محاولة لاستعادة ما تم نزعه، ومنذ تلك اللحظة يكبر صغيرها وتتسع خطواته، لكنه يبقى في قلبها طفلها الأول الذي احتضنته قبل العالم.

الأمومة ليست عابرة في حياة المرأة، بل تحولٌ عميقٌ في نظرتها إلى الحياة، في الأمومة ستختلف المفاهيم والأنظمة، ستتعرف المرأة إلى جوانب من شخصيتها لم تعرفها من قبل، ستحب نفسها أكثر وتخاف على الحياة أكثر لن ترى العالم من نفس الزاوية، فقد أصبح جزءاً من جسدها يشاركها البسيطة.

سيصبح السهر رفيقها، والقلق والتفكير لا يبارحانها، ولن يعود الطعام للمتعة بل لتقيم صلبها، ولن تجد في قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم متنفساً، لأن الأمومة ستشغل تركيزها وتقطع حبل أفكارها، وحتى في الألم والحزن ستغدو أشجع، وتتجاوز أسرع، وتتخطى بسهولة، فهي الآن لا تملك رفاهية الانهيار، ستصبح مخيلتها أوسع ودمعتها أقرب، وحواسها أصدق، ستظهر شخصية لم تعهدها من قبل تحمل بين طياتها تناقضاً غريباً، بين الرقة والحزم، وبين الخوف والرغبة في منح الأبناء حرية اكتشاف العالم، والحرص عليهم من مجهولٍ ينتظرهم.

الحب الحقيقي يخلق بين عطف وحكمة، فلا يصنع قيوداً من الحنان، ولا يحول الخوف إلى وصاية دائمة، بل يمنح الجذور ما يكفي من الثبات ويترك للأجنحة حق التحليق.

في الأمومة تتبدل الأولويات، وتتراجع بعض الأحلام لتولد أخرى، وتتنازل الأم أحياناً عن أجزاء من ذاتها بصمت، في رحلة توازن بين عالمها الخاص وعالم أبنائها، فهي لا تنجبهم مرةً واحدة، بل تولد معهم في كل مرحلة من حياتهم، تتعلم منهم بقدر ما تعلمهم، وتترك في أرواحهم أثراً لا يمحوه الغياب، فالأمومة حبٌ لا ينتهي باستقلال الأبناء ولا حتى برحيل الأم.