ليست كل العيون قادرة على رؤية الجمال، وليست كل النفوس مؤهلة لإدراك قيمة الأوطان.
هناك من يرى الزهرة فيشم عطرها، ويستمتع بألوانها، ويدرك ما تختزنه من جمال الحياة، وهناك من لا يرى في الوجود سوى ما يسد جوعه العابر، حتى لو كان ذلك في القمامة.
وبين النظرتين تتجلى المسافة الشاسعة بين إنسان يعرف قيمة ما يملك، وآخر يبيع أثمن ما لديه مقابل منفعة زائلة وسراب، وبين صاحب المبدأ الذي يتمسك بقناعاته، ومن يبدل مواقفه كلما تبدلت المصالح وارتفعت الأثمان.
تُنسب إلى الثائر الأرجنتيني إرنستو تشي جيفارا مقولة تختصر هذه المفارقة:(إذا استطعت أن تقنع الذبابة بأن الزهور أفضل من القمامة، حينها تستطيع أن تقنع الخونة بأن الوطن أغلى من المال).
بصرف النظر عن دقة نسبة هذه العبارة إليه، فإن معناها يضع أيدينا على واحدة من أعمق أزمات الضمير الإنساني؛ أزمة الذين تتغلب مصالحهم الخاصة على انتمائهم، وتصبح المادة في حساباتهم أثمن من الكرامة، والمكاسب الشخصية أعلى من الوفاء للأرض التي احتضنتهم ومنحتهم فرص الحياة.
إنها ليست مجرد مقارنة بين الزهور والقمامة، بل صورة رمزية للفارق بين من يمتلك القدرة على التمييز بين النفيس والرخيص.
ومن استسلمت بصيرته لمكسب عاجل، حتى بات عاجزاً عن رؤية القيمة الحقيقية للأشياء. فبعض الناس لا تنقصهم المعلومات عن أوطانهم، وإنما تنقصهم الأمانة في التعامل مع تلك المعلومات، ولا يجهلون فضل الأرض التي عاشوا عليها، ولكنهم يضعون مصالحهم فوق كل اعتبار، ثم يبحثون عن مبررات أخلاقية لتغطية خياراتهم.
من هنا تبدأ المأساة؛ عندما يصبح الوطن بنداً قابلاً للتفاوض، وتتحوّل الكرامة إلى سلعة، ويغدو المال معياراً وحيداً للحكم على المواقف والرجال.
الوطن، في حقيقته، ليس مساحة من التراب تحده الجغرافيا، ولا علماً يرفرف فوق المباني، ولا نشيداً يتردد في المناسبات. الوطن ذاكرة الإنسان، وملاذه عند الخوف، ومصدر اعتزازه بين الأمم، وامتداد أسرته وأجداده، وحق الأجيال القادمة في حياة آمنة وكريمة.
المكان الذي تتشكّل فيه ملامح الهوية، وتنمو فيه الأحلام، ويجد الإنسان في الانتماء إليه معنى يتجاوز حدود المنفعة الفردية.
ومن يختزل هذه المعاني العظيمة في صفقة مالية أو منفعة شخصية، إنما ينتقص من نفسه قبل أن ينتقص من قدر وطنه؛ المال قد يشتري المناصب والامتيازات، لكنه يعجز عن شراء تاريخ مشرّف، أو ضمير مطمئن، أو انتماء أصيل.
تزداد قيمة الوطن عندما تتوافر فيه مقوّمات النهوض والاستقرار، عندما يمنح الإنسان أسباب الأمان والعمل والتقدم، وعندما تتضافر جهود أبنائه لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً.
معانٍ تتجلى بوضوح في وطني السعودية بمكانته الدينية وثقله السياسي والاقتصادي، وقدراته الواسعة، وحضوره الدولي المؤثر، إلى جانب ارتباطه بأرضه وتاريخه وهويته، في مهمة تحمل أبعاداً روحية وحضارية تتجاوز حدود الجغرافيا.
الأمن والاستقرار ركيزتان لا غنى عنهما للتنمية، والثقة بين المجتمع ومؤسساته عنصر أساسي لاستمرار التقدّم، والوعي الوطني حصانة في مواجهة حملات التضليل ومحاولات بث الفرقة.
من هنا تبرز أهمية المحافظة على الوحدة الوطنية، وتعزيز روح المسؤولية المشتركة، وترسيخ ثقافة الحوار والعمل، حتى تظل منجزات التنمية أساساً لمستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً.
يظل الوطن أغلى من كل ثمن، وأكبر من كل صفقة، وأبقى من كل مصلحة عابرة.
الذين يعرفون قيمة أوطانهم لا يبيعونها، والذين يدركون معنى الوفاء لا تستدرجهم المغريات، والذين يرون في السعودية وطناً للأمن والكرامة والطموح يدركون أن خدمتها مسؤولية، وأن المحافظة على مكتسباتها واجب، وأن بناء مستقبلها شرف يستحق أن تُبذل من أجله الجهود.
ليست المشكلة في أن يعجز أحدهم عن رؤية الزهرة، بل في أن يعرف جمالها ثم يختار القمامة طمعاً في مكسب عابر الوطن أكبر من أن يكون موضوع مساومة، وأغلى من أن يصبح ورقة في يد المنتفعين؛ لأنه ليس ملكاً لجيل واحد، بل أمانة تتوارثها الأجيال، وكرامة يعيش بها الناس، ومستقبل يستحق أن نصونه ونبنيه بإخلاص.
السعودية وطن يمتاز بالكثير، ولذلك يظل الوطن أغلى من المال والمصالح، وتظل خدمته والوفاء له عنواناً للكرامة والأصالة، كل المخلصين يرددون مقولة الأمير محمد بن سلمان (طموحنا أن نبني وطناً أكثر ازدهاراً، يجد فيه كل مواطن ما يتمناه، فمستقبل وطننا الذي نبنيه معاً لن نقبل إلا أن نجعله في مقدمة دول العالم).