حين يصدر قرار تعليق الدراسة الحضورية والانتقال إلى المنصات، نطمئن إلى سلامة أبنائنا وبناتنا، وإلى وجود بديل يتيح استمرار تعليمهم. لكن سؤالًا تربويًا يستحق أن يرافق هذا الانتقال: هل يستمر التعليم بالطريقة نفسها، ويتغيّر مكانه فقط، أم تتغيّر معه طريقة الشرح والتفاعل والتقويم؟ وهل يكفي أن ننقل جدول الحصص من الفصل إلى الشاشة لنقول، إن العملية التعليمية استمرت بكفاءتها؟
قد يدخل الطالب إلى المنصة في موعده، ويسجّل المعلم حضوره، ويشرح الدرس، ثم تنتهي الحصة. هذه إجراءات ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: ماذا تعلّم الطالب؟ فالحضور الرقمي لا يكشف دائمًا عن الانتباه، وفتح الكاميرا أو تسليم الواجب لا يكفيان للحكم على الفهم. عندما تتغيّر بيئة التعلّم، ينبغي أن نراجع تصميم الدرس، ومدته، وأنشطته، وطريقة التحقق من أثره.
لقد خاضت المملكة، خلال جائحة كورونا، تجربة واسعة في التعليم عن بُعد، وأظهرت قدرة على مواصلة التعليم في ظروف استثنائية. وقد وثّقت اليونسكو التجربة السعودية ضمن الممارسات العالمية، بما اشتملت عليه من منصات ومحتوى وأدوات للمتابعة والتفاعل. وهذا رصيد يستحق أن نبني عليه، وأن نستثمر ما كشفه من إمكانات وما أظهره من احتياجات للتحسين.
من هنا أسأل: لماذا يظل التعليم عن بُعد في وعينا المدرسي مرتبطًا غالبًا بالظروف الطارئة؟ ولماذا يكون الانتقال إليه قرارًا ننتظره بسبب حالة جوية أو ظرف استثنائي، بينما يمكن أن يكون جزءًا معلومًا من تنظيم الدراسة؟ فالمنصات تتيح التعليم المتزامن وغير المتزامن، وقد أكدت وزارة التعليم، مع العودة الحضورية بعد الجائحة، استمرار الاستفادة من هذه الأدوات بحسب المراحل الدراسية. والمسألة اليوم هي مدى حضورها الفعلي في تصميم التعلّم اليومي.
أقترح، أن ندرس تخصيص أسابيع أو أيام محددة للتعليم عن بُعد ضمن الخطة الدراسية، تُعلن منذ بداية العام، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وبما يناسب أعمار الطلبة وطبيعة المقررات وظروف الأسر. عندما تعرف المدرسة والمعلم والأسرة هذه المواعيد مسبقًا، تتاح فرصة إعداد محتوى مناسب، وتنظيم المتابعة، ومعالجة صعوبات الوصول، ويصبح الانتقال ممارسة مخططة يمكن تقويمها وتطويرها.
ولا يعني ذلك أن تتحول جميع حصص تلك الأسابيع إلى بث مباشر طويل. يمكن أن يجمع اليوم الدراسي بين لقاء قصير للشرح والمناقشة، ومهمة يؤديها الطالب بصورة مستقلة، ووقت يحصل فيه على ملاحظات معلمه. وقد يتيح هذا التنظيم للطالب أن يعيد شرحًا لم يفهمه، أو يتقدم في نشاط أتقنه، بدل أن يرتبط الجميع بإيقاع واحد طوال الوقت.
وهناك سؤال آخر يتعلق بجدول الحصص: هل تحتاج جميع أجزاء المقررات إلى وقت حضوري ثابت؟ بعض الوحدات المعرفية وأنشطة القراءة والبحث والتدريب يمكن تصميمها للتعلّم غير المتزامن؛ يتعامل معها الطالب في وقت مرن، داخل مدة محددة، ثم يناقش نتائجها مع معلمه. فدرس يتضمن قراءة نص، أو مشاهدة شرح، أو جمع معلومات، قد يُنجز قبل اللقاء، لتُستثمر الحصة في التحليل والتطبيق وتصحيح الفهم.
هذا التوجه قد يخفف ضغط الجدول الحضوري، ويمنح المدرسة مساحة أكبر للأنشطة العملية والدعم الفردي. لكنه يحتاج إلى تصميم واضح؛ حتى لا تتحول الحصة التي خرجت من الجدول إلى واجبات إضافية تثقل الطالب وأسرته. كما ينبغي احتساب إعداد المحتوى والمتابعة والتقويم ضمن عمل المعلم؛ فالمرونة في وقت التعلّم تحتاج إلى تنظيم الجهد الذي يبذله الجميع.
ويمكن كذلك دراسة التعليم المدمج للتعامل مع كثافة بعض الفصول، بتوزيع الطلاب بين الحضور والتعلّم عن بُعد وفق تناوب منظم. ويتيح التعليم المتزامن لقاء المعلم بالطلاب في وقت واحد، لكن نجاح توزيعهم بين الفصل والمنصة يتطلب ضمان مشاركة المجموعة البعيدة، وقدرة المعلم على متابعتها. فإذا أصبح طلاب المنصة مجرد متفرجين على درس يُقدَّم لزملائهم داخل الفصل، فقد خففنا ازدحام المكان وأضعفنا فرص التعلّم.
بحكم عملي في التعليم والتدريب، أرى أن قيمة الوسيلة تظهر في الحوار الذي تتيحه، وفي المهمة التي تدفع المتعلم إلى التفكير، وفي الملاحظة التي تساعده على التقدم. لذلك يقلقني أن ينحسر دور المنصة إلى رفع ملفات وتسجيل دخول واستخدام مؤقت عند التعليق. فالخبرة التي تراكمت خلال الجائحة تستحق تفاعلًا مستمرًا، وتجريبًا منظمًا، ومراجعة تقيس أثرها في تعلّم الطلبة.
يمكن البدء بمدارس ومراحل ووحدات دراسية محددة، ثم قياس التحصيل والمشاركة والعبء على المعلمين والأسر، مع توفير الأجهزة والاتصال والدعم لمن يحتاج إليه. كما يجب مراعاة أن احتياج طفل في الصفوف الأولى إلى الحضور والمساندة يختلف عن احتياج طالب في المرحلة الثانوية يستطيع تنظيم جزء من تعلّمه بنفسه.
ولكي تكون هذه المرونة متاحة لجميع الطلاب، ينبغي أن تتبنى وزارة التعليم، بالشراكة مع القطاع الخاص وشركات الاتصالات خصوصًا، توفير جهاز لوحي لكل طالب، مخصص للتعليم، ومهيأ للمحتوى والأنشطة التفاعلية، مع اتصال مجاني بالإنترنت يتيح الوصول إلى المنصات والخدمات التعليمية. فحين يصبح التعلّم الرقمي جزءًا من الخطة الدراسية، يصبح تمكين الطالب من أدواته مسؤولية مشتركة، ولا يصح أن تتفاوت فرص التعلّم بحسب قدرة الأسرة على شراء جهاز أو توفير اشتراك. ويمكن تنظيم هذه الشراكة بما يضمن صيانة الأجهزة وتحديثها واستمرار الخدمة، حتى يكون الدعم مستدامًا وفاعلًا.
ويجب أن يصاحب ذلك عمل تربوي واتصالي يمحو الصورة الذهنية التي تربط التعلّم عبر المنصات بالغياب وعدم الجدية، أو تفترض أن الأسر عاجزة عن ضبط أبنائها. هذه الصورة تتغير حين يجد الطالب يوميًا تعليميًا واضحًا، ومهام تستحق المشاركة، ومتابعة منتظمة، وتقويمًا يعكس ما تعلّمه. وللأسرة دور في تهيئة البيئة وتشجيع الالتزام، لكن إدارة الدرس ومتابعة التعلّم مسؤولية المدرسة والمعلم. وكلما أحسنا تنظيم التجربة، وفهم الجميع أدوارهم، ترسخت القناعة بأن التعلّم عبر المنصة يوم دراسي له أهدافه ومتطلباته، وأن الجدية تُبنى بجودة التجربة ووضوح المسؤولية.
عندما تُعلَّق الدراسة الحضورية، ينبغي أن نملك إجابة عن كيفية استمرار التعلّم، تتجاوز الإعلان عن مكانه البديل. وعندما تنتظم الدراسة، ينبغي أن نستثمر المنصات في المواضع التي تضيف فيها قيمة. لقد تعلّمنا كيف ننقل التعليم إلى الشاشة وقت الأزمة؛ وحان الوقت لنسأل كيف نجعل هذه الخبرة جزءًا من مدرسة أكثر مرونة، وأقدر على مراعاة اختلاف طلابها.