ذكر الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا، في مذكراته، أن من المهم للإنسان مواجهة مشاكله، لأنه في حال عدم معالجتها سوف لن تبارحه أبداً. وأورد في هذا الصدد قصة رجل كان يعاني من أرواح شريرة تسكن بجوار بيته، تثير القلاقل والإزعاج الدائمين له ولأسرته ولكافة سكان الحي. وبعدما فقد الأمل في إقناعها بالكف عما تقوم به من أعمال، قرر هجر بيته ومغادرة الحي. فوضع جميع أفراد الأسرة والأمتعة في العربة وسار في الطريق. فرآه أحد جيرانه، وسأله إلى أين أنتم ذاهبون؟ وقبل أن يتكلم ويجيب على التساؤل، صدر صوت أجش من تحت العربة قائلاً: إننا مغادرون عن هذا الحي. فذهل الرجل وجاره، فقد كان ذلك صوت أحد تلك الأرواح الشريرة، التي ظن صاحبنا أنه خلفها وراءه في بيته المهجور.


وتؤكد لنا تلك القصة، أن في حال مواجهة الدول مخاطر تهدد رخاءها وأمنها، فعليها عدم غض النظر عنها أو تجاهلها، بل مواجهتها بعزم وحزم واستئصال شأفتها، وإلا سوف تظل تعاني منها أمد الدهر.


وبالنظر إلى وضع المملكة العربية السعودية، نجدها كُرمت من المولى عز وجل باحتضان الحرمين الشريفين، وبموقع جغرافي إستراتيجي يربط بين ثلاث قارات. ولديها ثروات عديدة من أهمها الأمن والاستقرار ووحدة أفراد الشعب وولائهم لوطنهم وقيادته. فلا غرابة في ظل هذا الحال أن تحاط ببعض الأرواح الشريرة من الحاقدين الذين يحسدونها على ما هي عليه من نعم، ويسعون لزعزعة استقرارها وأمنها. وبالتالي لا يمكن لها غض النظر عما يكيدونه لها، بل عليها التعامل معهم بكل عزم وحزم حفاظاً على سيادتها.


وعلى الرغم من كثرة أعداد المحبين للسعودية من الأشقاء في أرجاء العالم العربي المحيط بها، وتقديرهم لمواقفها المشرفة، هنالك مع كل الأسف أرواح كارهة تتجسد في بعض الكيانات والأشخاص في المنطقة بالوقت الراهن. ويمكن تحديد أبرزها في الفئات التالية:


أولاً: الفرس وأعوانهم من ميليشيات الحوثي وحزب الشيطان والميليشيات الإرهابية في العراق. وجذور الشر لدى هذه الفئة من العداء العرقي الفارسي للعرب، وليس الصراع العقائدي الذي تنشره إيران خدمة لأهدافها الخبيثة الرامية إلى الهيمنة على وإذلال العرق العربي. وأعوانها المُغرّٓر بهم من الخونة العرب حالهم كحال أبي رغال، الدليل العربي لجيش أبرهة. فالأحباش ما كانوا يعرفون مكان الكعبة وكلما جاؤوا بدليل من العرب ليدلهم على طريقها رفض. ولم يقبل بهذا العمل سوى أبي رغال طمعاً في المال، ولكنه مات بالطريق عندما وصلوا إلى مكان يُقال له المغمس ودُفن هناك. فكانت العرب ترجم قبره كلما مرت به، لأنه يُعد رمزاً للخيانة. وعليه فإن السعودية لا تلام إذا ما حاربت «أبا رغال» الحوثي وأشباهه، وساندت الشرعية اليمنية، لمنع وقوع اليمن تحت النفوذ الإيراني وتحول أرضه إلى منصات تهدد أمنها وسيادتها.


ثانيا: من في قلوبهم مرض ويخادعون ويسعون في الأرض فساداً. إذا كانت إيران تُعد الداعم الرئيسي لجماعة الحوثي في اليمن، فإن هناك كيانات عربية محددة ترتبط بها اتهامات وتقارير دولية تدل على مساندتها للحوثيين بدعمهم بالمال والسلاح والغطاء السياسي وزرع بؤر الفتنة والفساد بين أبناء اليمن، خدمة لمخططات إيران وإسرائيل. وهؤلاء العملاء الذين يحملون حقداً على السعودية وينكرون جمائلها عليهم، سيفتضح أمرهم مهما أصروا على النفي والمخادعة. فكما قال الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن «يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت». وتؤكد لنا شواهد التاريخ أن من يتبع نهج الخداع يواجه دوماً الذل وعواقب وخيمة. وقصة الوزير ابن العلقمي الذي سلم مفاتيح بغداد للتتار، وسيرة القرامطة، ومأل ملوك الطوائف في الأندلس بعض منها. والمصيبة ليست فقط أن المخادعين يؤذون أنفسهم، بل الأسوأ من ذلك استمرارهم بغيّهم يجهلون أنهم الخاسرون. ومثل هؤلاء من الضرورة مواجهتهم بعزم وحزم، وأن تتعامل السعودية معهم على المكشوف أمام شعوبهم، وبمنطق إذا ما أنت معي لا تكون ضدي. فالعدو الظاهر لها أفضل بكثير من الصديق المخادع. وحان الوقت لإعادة النظر والتقييم لحدود ودرجات التعاملات مع أنظمة تلك الكيانات، والمنظمات والمجالس التي تتشارك معها في العضوية فقد تبدلت المتغيرات والقيادات التي أسستها.


ثالثا: من يقولون ما لا يفعلون، وهم كثر. وما توالت النكبات على العرب إلا حينما رخصت لديهم الكلمات وغلت الأفعال. فاقتصرت مساندة دولهم لمن يتعرض منهم لمصائب واعتداءات، على بيانات الشجب والاحتجاجات. وفي هذا المقام، يصدق عليهم قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ «الصف: 2_3». مما يستدعي من السعودية أن تحرص مستقبلاً على نماء العلاقة بشكل أكبر وأعمق بين الإنسان والإنسان في محيطها العربي، وليس بين الدول. فالعديد من تلك الدول التي ربما سُلبت الإرادة والتدبير، لا تزال شعوبها محتفظةً بعقيدتها السمحاء وبقيمها ومدركةً لما تصبو إليه وتخشاه.


وسوف تبقى السعودية، بعون الله، دوماً أمنةً شامخةً وشعبها عزيز، في ظل عزم وحزم قيادتها. ومن يعتقد أن المعركة التي تخوضها الآن خاصة بها فقط، فهو واهم. إنها تدافع عن كرامة وعزة الأمة العربية، وستثبت الأيام ذلك. ولا نغفل في هذا المقام أهمية تكثيف التعاون بين الشرفاء العرب لدرء بؤر الفتن التي يزرعها العدو الأول للسعودية، الصهيونية وأعوانها. والذين ازدادوا كرهاً لها لرفضها التطبيع دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني. وهم يشمتون الآن بحال العرب، متأهبين للانقضاض عليهم وسلب أراضيهم وثرواتهم وكرامتهم.


خاتمة: من أقوال الشاعر عامر ابن نوطان المري:


أبناء العروبة مرخصين بضاعة


ما يرغبون البيع والمشتري بها


الصدق هو ويا الوفا والأمانة


بالسوق بارت ما حدا اعتنا بها


من عاش بالدنيا بليا معزة


امسي حقير عيشته ما اهتنى بها


ومن حب قوم دينهم غير دينه


مشى مماشي دينهم واهتدا بها


ما غير الله ما بقوم خلقها


حتى تغير نفوسهم كل ما بها