حذرت سلسلة أبحاث نشرتها مجلة «لانسيت» من ارتباط الاستخدام الإشكالي للوسائط الرقمية بمخاطر على الصحة النفسية والنوم والنشاط البدني لدى من هم دون 25 عامًا.

واستندت الأبحاث إلى مراجعة شاملة شملت 121 مراجعة علمية سابقة، غطت نحو 2790 دراسة أصلية وأكثر من 9 ملايين شخص تتراوح أعمارهم بين صفر و24 عامًا، في محاولة لتقييم العلاقة بين استخدام الوسائط الرقمية وصحة الأطفال والمراهقين والشباب.

وخلص الباحثون إلى وجود ارتباطات بين الاستخدام الإشكالي للوسائط الرقمية، الذي يتسم بأنماط من الاستخدام الشبيه بالإدمان، وبين ارتفاع مخاطر مشكلات الصحة النفسية واضطرابات النوم وتراجع النشاط البدني. لكنهم شددوا على أن قوة الأدلة لا تزال محدودة، وأن النتائج لا تثبت أن الاستخدام الرقمي هو السبب المباشر لهذه المشكلات.

وقالت الباحثة لويز هولي، من مختبر التحولات الرقمية للصحة، إن الأدلة المتاحة لا تزال غير حاسمة، كما أن حجب شركات التكنولوجيا بياناتها عن الباحثين المستقلين يحد من القدرة على فهم تأثير تصميم المنصات وخصائصها على المستخدمين.

وانتقدت هولي السماح لشركات التكنولوجيا بوضع قواعدها الخاصة لفترات طويلة، معتبرة أن نماذج أعمال تعتمد على جذب انتباه المستخدمين وجمع بياناتهم أعطت الأولوية للنمو التجاري على حساب الاعتبارات الصحية.

وفي تقدير لحجم العبء الصحي المحتمل على مستوى العالم، أشار الباحث فالك مولر-ريمنشنايدر إلى أن قضاء أكثر من ساعتين يوميًا أمام الشاشات قد يرتبط بفقدان نحو 2.8 مليون سنة من الحياة الصحية سنويًا بسبب الاكتئاب، و240 ألف سنة بسبب السمنة.

لكن الباحثين أكدوا أن هذه الأرقام تقديرات توضيحية لحجم المخاطر المحتملة وليست قياسًا مباشرًا للأضرار الفعلية، في ظل محدودية الأدلة وعدم حسم العلاقة السببية بين وقت استخدام الشاشات والنتائج الصحية.

ولا تعني النتائج أن جميع أشكال الاستخدام الرقمي ضارة؛ إذ رصدت المراجعة أيضًا ارتباطات إيجابية بين الاستخدام المعتدل للوسائط الرقمية وارتفاع الرفاه النفسي، وبين ممارسة ألعاب الفيديو التي تتطلب نشاطًا بدنيًا وتحسن بعض مؤشرات الصحة ونمط الحياة، حيث يشير ذلك إلى أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة المحتوى، وطريقة الاستخدام، وعمر المستخدم، والسياق الذي يجري فيه الاستخدام.

ويرى مؤلفو السلسلة أن الاعتماد على تحديد أعمار المستخدمين أو حظر وصول الأطفال والمراهقين إلى شبكات التواصل الاجتماعي وحده لن يكون كافيًا للحد من المخاطر. ويدعون إلى إلزام شركات التكنولوجيا بتقييم الأضرار الصحية المحتملة للمنتجات والخصائص الرقمية الجديدة قبل إطلاقها، وإتاحة البيانات لباحثين مستقلين يعملون لخدمة الصالح العام.

كما يقترحون التوصل إلى إطار عالمي عبر منظمة الصحة العالمية لوضع معايير أساسية لتنظيم البيئة الرقمية، بما يمنع ضعف الضوابط في دولة ما من تقويض جهود الحماية في دول أخرى، فضلًا عن إنشاء هيئة دولية متخصصة في رصد المخاطر التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي على الأطفال والشباب.

وتأتي هذه الدعوات في ظل توسع استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل والألعاب الرقمية بين الفئات العمرية الصغيرة، وتصاعد النقاش الدولي بشأن مسؤولية شركات التكنولوجيا عن الآثار المحتملة لتصميم منصاتها، بما في ذلك التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي وأنظمة التوصية التي تشجع المستخدمين على مواصلة المشاهدة والتفاعل.