يبدأ الامتحان الحقيقي لتمكين المرأة عند أول قرار تتخذه ولا يعجب المدافعين عن تمكينها، عند تلك اللحظة تحديداً، يتبيّن إن كنا نؤمن بأهليتها للاختيار، أم نحتفي فقط بحسن اختيارها لنا، فالمرأة التي توافقنا لا تكلّف قناعاتنا شيئاً، وإنما تُختبر هذه القناعات حين تقول امرأة مكتملة الوعي: فهمت ما تريدونه، وأريد شيئاً آخر.

لنتخيّل امرأة في مساحة صوتية على وسائل التواصل الاجتماعي، تطالب بفرصة عادلة في التعليم والعمل، وترفض أن يقرر أحد مستقبلها نيابة عنها، فيُحتفى بوعيها، وتُقدَّم مثالاً للمرأة التي عرفت صوتها، ثم تضيف، في المداخلة نفسها، أنها تعتز بدينها، وترى في أسرتها سنداً، ولا تجد في انتمائها الوطني عقبة أمام طموحها، هنا يتغيّر استقبال الكلام، ويبدأ البحث عن تفسير لوعيها «الناقص»، كأنها فقدت صوتها لحظة استعملته في ما لم يكن منتظراً.

ما الذي حدث بين الجملتين؟ لم تتراجع عن مطلب، ولم تمنح أحداً حق إكراهها، كل ما فعلته أنها رفضت أن تدفع من هويتها ثمن الاعتراف بأهليتها، فالذين صدّقوها حين اعترضت على غيرهم، ارتابوا في عقلها حين اعترضت عليهم، قُبل اعتراضها أولاً دليلاً على استقلالها، ثم صار الاعتراض نفسه دليلاً على أنها لم تستقل بعد.

هذه هي «لا» الثانية، تقولها المرأة لمن يريد أن يختار لها شكل تحررها، بعد أن قالت «لا» الأولى لمن ضيّق عليها فرص الحياة، والفارق بين الكلمتين يفضح ما تخفيه الخطب الطويلة، فمن السهل أن تشجّع إنساناً على رفض سلطة سواك، أما أن تقبل حقه في رفض سلطتك، فهناك يبدأ صدقك في الدفاع عنه.

وفي ميراثنا شاهد يضيء هذا الفرق، ففي صحيح البخاري، أن النبي ﷺ قال لبريرة في شأن زوجها مغيث: «لو راجعته»، قالت: «يا رسول الله، تأمرني؟»، قال: «إنما أنا أشفع»، قالت: «لا حاجة لي فيه»، سألت عن صفة الكلام قبل أن تجيب، فلما عرفت أنه شفاعة لا أمراً، اختارت عدم الرجوع، فبقيت الشفاعة شفاعة، وبقي القرار قرارها.

أما الاختطاف فيبدأ حين ينصرف السؤال عن الفرص المتاحة للمرأة، إلى مقدار شبهها بصورة معدّة سلفاً: كيف تبدو، وماذا تلبس، وممّن تقترب، وممّا ينبغي أن تتبرأ، ثم تتحوّل هذه التفاصيل إلى اختبار عبور، تنجح فيه من تطابق الصورة، وتُعاد تربية من تخالفها، تحت لافتة مساعدتها على اكتشاف ذاتها.

وأخطر ما في هذا الاختبار أنه مغلق على نتيجته، إن وافقت قيل إنها واعية، وإن رفضت قيل إن المجتمع يتكلم بلسانها، وإن شرحت أسبابها عُدّ شرحها دليلاً على عمق التأثير فيها، هكذا يصير اتهامها بنقص الوعي حكماً لا يُستأنف، وتصبح الدعوة إلى إسماع صوتها إذناً بالكلام، مشروطاً بألّا يربك الرواية.

نعم، قد تنشأ بعض الاختيارات تحت ضغط الخوف أو الحاجة أو التربية، ومن حق أي نقاش جاد أن يفحص ذلك، لكن هذا الاحتمال لا يمنح طرفاً حق إبطال إرادة كل امرأة تخالفه، فالتأثر بالبيئة لا يخص المحافظات وحدهن، والرغبة في القبول والخوف من السخرية يعملان في الاتجاه الآخر أيضاً، والمعيار العادل يفحص شروط القرار لدى الجميع، ولا يجعل النتيجة التي يحبها شهادة مسبقة على الحرية، فنقد قرار المرأة شيء، وإسقاط أهليتها لاتخاذه شيء آخر.

لهذا يُقاس التمكين بما صار في مقدور المرأة أن تفعله، وبما زال من العوائق أمامها: هل تستطيع أن تتعلم وتعمل، وأن تصل إلى حقها، وأن تحتمي من الإكراه، وأن تراجع قراراً لم يعد يناسبها؟ وهذا المعيار نفسه يمنع العودة إلى القيد القديم، فاحترام اختيارها لا يبرر حرمانها من البدائل، ولا يجمّل قراراً انتُزع بالتهديد، من تختار الأسرة لا تُهان، ومن تختار المهنة لا تُتّهم، ومن تجمع بينهما لا تُكلَّف ببطولة يومية، المطلوب أن تكون الخيارات ممكنة فعلاً، لا أن نختار النتيجة ثم نستخرج لها شهادة رضا.

وفي التجربة السعودية شاهد عملي على معنى توسيع الخيارات، ففي عام 2018 بدأ تطبيق قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، أزالت الدولة مانعاً، وأبقت استعمال الحق لصاحبته، تستطيع أن تقود، وتستطيع أن تختار غير ذلك، وبهذا المعيار تُحمى بقية المكتسبات، فمن حق المرأة أن تطمح من داخل هويتها، وأن تناقش ما يحتاج إلى إصلاح دون اعتذار عن دينها أو وطنها، كما أن الاعتزاز بالخصوصية لا يعفي أي ممارسة من السؤال عن عدلها، فالهوية التي تمنح الإنسان جذوراً لا تصادر خطواته.

والميزان نفسه يصدق في اللباس، فللمرأة أن تختار ما ترتديه في حدود ما يقرّه النظام، وليس لأحد أن يفرض عليها ذوقه الشخصي، فيُلزمها بالنقاب أو يُلزمها بخلعه، فالوصاية لا تتغير حين يتغير اتجاهها.

وللمؤسسات هنا وظيفة أدق من صناعة صورة نموذجية للمرأة: عدالة الفرصة، ووضوح الإجراء، والحماية من التمييز والإكراه، أما أن يتحول التمكين إلى مشروع لتوحيد سِيَر النساء، فذلك يفرغ الفرص من معناها، نحن نوسّع التعليم لأن العقول مختلفة، ونفتح المجالات لأن الطموحات متعددة، فما قيمة هذا الاتساع كله إذا انتهى إلى امرأة واحدة، تتكرر بأسماء كثيرة؟

ولنعد إلى المرأة في تلك المساحة، فهي لا تحتاج محاضرة أخرى عن الشجاعة، بل تحتاج أن يحتمل محاوروها شجاعتها حين لا تخدم توقعاتهم، وأن يسمعوا «لا» الثانية بالاحترام الذي استقبلوا به الأولى، فالحق الذي يتوقف عند حدود الجماعة يصير مكافأة عضوية، والكرامة التي تُسحب عند الاختلاف لم تكن مضمونة أصلاً.

قد تُسلب المرأة قرارها بعبارة «نحن أدرى بمصلحتك»، وقد يُسلب بعبارة أكثر أناقة: «نحن أدرى بحريتك»، تتغير اللغة، ويبقى موضعها واحداً: موضوعاً يتصرف فيه الآخرون، لذلك لا يكتمل التمكين إلا حين يصبح بوسعها أن ترفض الوصاية، بما فيها الوصاية التي تطلب منها التصفيق لأنها جاءت لإنقاذها.

نقطة آخر السطر:

إذا انتهت حريتها حين تختلف معك.. فأنت تطلب طاعتها باسم الحرية. وتمكينٌ لا يحتمل «لا» الثانية، ليس سوى قرارك بصوتها.