كل إنسان يمتلك ثقافته الخاصة، هذه الثقافة تتعدد وتختلف باختلاف الأفكار والأفراد، وهذا الاختلاف يستوجب معرفة مرجعية المتحدث، وإن عرف الطرفان تلك المرجعية يسهل نقض كل فكرة بما يخالفها، ويصبح الحوار مفيداً للطرفين إن أقبلا على استبيان الحقيقة، أما إذا كان الحوار متخندقاً، (كل طرف ليس لديه الاستعداد للتخلي عن أفكاره)، يصبح الحوار جدالاً لا طائل منه.
فالجدال يرتفع وينخفض وفق الظروف الاجتماعية والسياسية للمتحورين، فكلما كان الرأي السائد غالباً يكون الطرف الباحث عن إحلال رأيه على السائد غير موفق في التغلب على الرأي السائد، هذه حقيقة ما يحدث من حوارات، أي أنها تتحول إلى جدال لا يوصل إلى نتيجة الوئام أو القبول بكل الآراء المتناقضة، وعدم القبول بالاختلاف ليس بحاجة للحوار إن كان الأطراف رافضين بقبول الحجة الدامغة التي تبين مكمن الاختلاف، القبول بالحجة يمكن الجميع من خلق أرضية مشتركة للمختلفين وعيش الجميع بسلام.
وقضية التدافع ليس من أجل سيادة رأي واحد يكون متنفذاً على الجميع، التدافع المقصود يكون في الأمور المؤدية إلى بناء الأرض وعمارتها، والآراء المتشابكة لا بد من وجود تحكيم يمكن كل فكرة من التواجد من غير تغلب فكرة على أخرى، والمحكم ارتضاء الجميع به في تمثل هذا الدور.. مشكلة الناس أن كل فئة تريد أن تكون هي المحكم، في هذه الحالة لن يرضى أي طرف بالتحكيم، وعدم الرضا يؤدي إلى الاختلاف وإلى الفوضى.. ظرفية المحكم أعطته هذه الميزة، وأعتقد أن كل طرف سوف يمنحه الزمن فرصة أن يكون هو الحكم، معرفة صيرورة الحياة تمكن كل طرف من الاسترخاء داخل دائرة ارتضى بها الجميع.. كما أن الحياة المستقرة النامية الجالبة للدعة والرخاء هي الأولى بالارتهان إليها.
أما الطرف الفوضوي الساعي إلى تثبيت فكرته الفوضوية على الجميع سوف ينبذ من الجميع.. مرة أخرى كل إنسان لديه ثقافته الخاصة التي تكونت عبر سنوات عمره، هذه الثقافة الخاصة ربما تكون ثقافة رخوة، على صاحبها اكتساب ثقافة متجددة من خلال حوار بناء يقبل بالحجج الدامغة بأن ثقافتك رخوة، عليك دعمها بثقافة أظهرت حجتها الدامغة لما قيل أو كتب.